أسفرت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي أجريت في أكتوبر الماضى عن مشهد سياسي بالغ التعقيد، وأفرزت نتائجها برلمانا منقسما دون أغلبية حاسمة، رغم تصدر حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 53 مقعد، مقابل 48 مقعد لكتلة المعارضة بقيادة أيزنكوت زعيم حزب يشار، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعد وسط نسبة إقبال غير مسبوقة من عرب 48 ، ورغم تصدر حزب الليكود النتائج فإن معسكره لا يستطيع تشكيل الحكومة والوصول إلى السلطة مباشرة، لعدم تمكن أي من المعسكرين من بلوغ 61 مقعد من أصل 120 مقعد في الكنيست الاسرائيلي.
هذه النتيجة وضعت إسرائيل في مأزق دستوري وسياسي، حيث يعجز أي من المعسكرين الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، مما يصيب الحياة السياسية الإسرائيلية بالجمود، وهذا الجمود السياسي لا يقتصر أثره على الساحة الداخلية الإسرائيلية بل يلقي بظلاله على منطقة الشرق الأوسط، وبحسب التحليلات السياسية فإن بقاء نتنياهو على رأس حكومة انتقالية في ظل تعثر تشكيل ائتلاف حكومي ومواجهة جديدة مع إيران، إلا أنه يبقي الرؤية الأمريكية أساس لأي توسع عسكري بتنسيق مشترك مع الكيان الصهيوني.
ولا تبدو الانتخابات الإسرائيلية مجرد منافسة تقليدية، بل تمثل اختيارا سياسيا لمستقبل إسرائيل في المنطقة، واتجاهاتها الأمنية والعسكرية في حربها مع إيران، وتبدو أهمية هذه الانتخابات في أن نتائجها لن تتوقف عند تشكيل الحكومة الإسرائيلية، بل ستمتد انعكاسها إلى ملفات الشرق الأوسط، من مستقبل المواجهة مع إيران، إلى القضية الفلسطينية، ومن العراق ولبنان وسوريا والخليج إلى التوازنات الإقليمية.. والسؤال هنا: هل تتغير خريطة الشرق الأوسط بنتائج الانتخابات؟
منذ طرح مفهوم فكرة الشرق الأوسط وتداول مفهومها السياسي بدأت المخططات الأمريكية والإسرائيلية ترسم ملامح ومعالم الشرق الأوسط وفق خطط وضعت بشكل محكم وتبنتها الإدارة الأمريكية المتعاقبة، وسعت إلى تطبيقها على أرض الواقع من خلال رعايتها لاتفاقيات عديدة بين العرب والإسرائيليين، جاءت تحت مسميات اتفاقيات السلام، وكان الهدف منها فرض هوية جديدة على الأمة العربية لصالح وعاء فضفاض تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد، وحديث الرئيس الأمريكي ترامب عن الشرق الأوسط الجديد يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة وعازمة على إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية لدول الشرق الأوسط على نحو يعيد تشكيل المنطقة بشكل ينسجم مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، بديلا عن الخريطة التي وضعتها القوى الكبرى انجلترا وفرنسا في مطلع القرن العشرين.
وتشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من الترقب الشديد في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية، والتي أفرزت نتائج غير حاسمة عن تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، تنعكس هذه التطورات على مشهد الشرق الأوسط الجديد، حيث كان هناك طموحا لدى نتنياهو لتقديم نفسه كزعيم حقق نصرا تاريخيا للصهيونية، سحق المقاومة الفلسطينية من مقتل السنوار وعباس وحسن نصر الله وهزيمة إيران، ووسع التطبيع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وقد قوبلت نتائج الانتخابات الإسرائيلية بترقب في عواصم دول الشرق الأوسط، وسط شكوك في أن يؤدي تغيير الحكومة إلى حدوث تحول جوهري في سياسات إسرائيل الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالحرب مع إيران، والقضية الفلسطينية والعلاقات مع الدول العربية، ويرى بعض المراقبين أن إسرائيل دولة فاعلة في المنطقة، وهذه الفاعلية تجعل الانتخابات الإسرائيلية شأن يتجاوز حدود الدولة، لأن الحكومة الناتجة عنها ستقدم صورة عن مستقبل المنطقة خلال الأربع سنوات القادمة، على الرغم من الرغبة الشديدة التي يظهرها الخطاب الاعلامي في تغيير حكومة نتنياهو، إلا أن رحيله لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه الشرق الأوسط، بينما في المقابل يرى آخرون أن تغيير الحكومة يفتح باب الحوار، وإن لم تؤدي إلى تحول واعد، إلا أنه قد يعني استعادة قنوات تواصل إسرائيل مع جيرانها بشكل أكثر فاعلية.
وعن تداعيات نتائج الانتخابات الإسرائيلية على الصعيد الإقليمي، ذكرت صحيفة بديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن حالة الجمود السياسي في إسرائيل تترك الحلفاء في حالة ترقب، حيث تنتظر واشنطن قرارات حاسمة بشأن ملفات كبرى، مثل الحرب على إيران وغزة، حيث تخشى العواصم الأوربية استمرار التصعيد من جانب إسرائيل في حالة استمرار نتنياهو في السلطة، وعلى الساحة الفلسطينية تواجه السلطة الفلسطينية في رام الله وغزة والضفة الغربية واقعا أليما ومعقدا على واقعهم اليومي، حيث وجه رئيس السلطة الفلسطينية رسالة علنية يبدى استعداده لاستئناف مفاوضات السلام مع أي حكومة مقبلة، حيث أن تعاقُب الحكومات في إسرائيل لم يغير جوهريا طبيعة المشروع الاستعماري تجاه القضية الفلسطينية، بغض النظر عن الهوية الحزبية لرئيس الحكومة القادم، بينما ترى الإدارة الأمريكية تشكيل حكومة وحدة وطنية مع ايزنكوت بدلا من تشكيل حكومة مع الأحزاب العربية.
مع عجز أي من المعسكرين عن حسم الأغلبية، والاتجاه غالبا نحو انتخابات مبكرة، واستمرار الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، يضعف قدرة إسرائيل على فرض أي خيارات اقليمية كبرى أو تغير خريطة التحالفات بشكل عام، حيث ترى القوى الحزبية في إسرائيل أنها تجاوزت أحداث 7 أكتوبر، إلى مزيد من السياسة التوسعية في دول الجوار.
وواصلت إسرائيل توغلها في جنوب سوريا ولبنان رغم قرار وقف إطلاق النار، وإسرائيل صارت أبعد من أي وقت مضى من القدرة على تشكيل الشرق الأوسط الجديد، بعد هزيمة اليمين المتشدد في انتخابات أكتوبر الماضى، مقارنة بما قبل 7 أكتوبر 2023، مما يضع مفهوم الشرق الأوسط الجديد وتوازناته أمام خيارات معقدة وغير حاسمة، وتراجع الإدارة الأمريكية عن رغبة نتنياهو عن إسقاط النظام الإيراني وتصاعد الإرادة لدى الشعب الأمريكي المؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني والرافضة للحرب على إيران.
وفي تقديرنا لن تحدث نتائج الانتخابات تغيرا جوهريا في السياسة الإسرائيلية لدى مشروعها الاستعماري تجاه منطقه الشرق الأوسط، بالنظر إلى الخطاب السياسي الذي تبناه المعسكرين الرئيسيين في إسرائيل، حيث تنظر إيران أن كل من المعسكرين يسعى إلى إسقاطها، كذلك نزع سلاح حزب الله بالقوة هدفا مشتركا لدى نتنياهو وايزنكوت، مما يجعل الاختلاف بينهما محدود الأثر على مستقبل الشرق الأوسط..
وفي النهاية فإن الدول التي تراقب تغيرا في إسرائيل عليها الانتظار، في ظل استمرار نتنياهو رئيسا لحكومة تصريف الأعمال، لحين تشكيل حكومة جديدة، وسط مفاوضات ومساومات سياسية، يتوقع أن تكون طويلة وشاقة، مع احتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة.