يجد القارئ لرواية (أدران الهيولى) لكاتب مجهول نفسه أمام عمل غير تقليدي، لأن بها تكسيرًا لكل الأعراف، ولكل ما استقر بين البشر من كراهية العنف والقتل، بالإضافة إلى اشتغالها على التركيبة النفسية التي تحتوي على كثير من الاختلال لدى البطل، فهو يكره الفنون والموسيقى، ويكره الأطفال، ويتعامل بغلظة مع كبار السن، ويواقع فتاة قاصرًا، ويتخيل قيامه بسلخ فتاة جامعية، لأنها فكرت في الاشتغال على صناعة تقرير عنه، ومحاولة كشفه.
إذا صدقنا الحيلة الكتابية الموجودة على الغلاف، فهناك رواية فيها الكثير من الاعترافات المنتقاة بعناية، وقد جاءت في شكل أخبار. والخبر هنا يختلف عن الخبر في التراث العربي المعروف في كتب الأدب، الذي يتعلق، كما ورد في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أو العقد الفريد لابن عبد ربه، بأصحاب القيمة على مستويات عديدة، سواء في الأدب أو السياسة أو الغناء، وهو آلية سردية تراثية يعيد الاشتغال عليها وفق منهجية جديدة.
لكن الكاتب هنا، أو الراوي المجهول، إذا صدقنا الحيلة التي يمكن أن تكون أدبية أو تسويقية، يقدّم أخبارًا تتعلق بحركته وآفاق ذاته ونزوعه المريض في حالات ليست قليلة في النص الروائي. ويقدم لنا قدرة عجيبة على إدخال الواقعي والمتخيل في سياق واحد، وذلك من خلال انفتاحه على الثقافي الممتد عبر عقود وقرون، ويبدو للقارئ أن الانهمار غير المبرر للمصكوكات كاشف عن حالة مرضية، فالتداخل بين أنماط اللغة يتجاوب مع تداخل الخيالي والواقعي.
تبدو هذه الرواية أقرب إلى فكرة القاتل المتسلسل، خاصة بعد تأمل السمات النموذجية للبطل؛ فهو، وإن كان لا يخلو من سمات أنثوية تم الإلماح إليها على امتداد النص على لسانه وألسنة الآخرين، شبيه بالقاتل المتسلسل الأمريكي تيد بندي، الذي استغل وسامته لكسب ثقة ضحاياه والإيقاع بهم. لكن التأمل الدقيق للعمل الروائي، وخاصة في فصوله الأخيرة بين البطل وفارسة الظلام، سوف يكشف لنا أن كل هذه الأحداث لا تخرج عن الخيال، وأن العمل أقرب إلى الكتابة الفلسفية التي تعتمد على التعاظم على خطية الزمن والوصول إلى أبديته أو تجاور لحظاته الآنية والموغلة في القدم.
غرابة النص في كسر المألوف والمستقر لا تنفي أن هناك خلفية معرفية متعددة الاتجاهات والمشارب، فيشعر القارئ أن اللغة في أحيان كثيرة تناوش لغة التراث بكل حمولتها الفكرية والدينية والمعرفية، وفي الوقت ذاته هناك انفتاح على مجمل المعارف الإنسانية، فهناك المعرفة الأدبية والدينية والفقهية متعددة الأشكال.
السخرية جزء أساس من منطلقات الكتابة في هذا النص، والسخرية فعل انتقاصي يقوّض الهالة، ويسحب كثيرًا من قدسية البشر والأشياء، والراوي يمارس ذلك على شخصيات عديدة وعلى أنماط حياة البشر وأعرافهم. ويمارس الشيء نفسه على المنجزات الفنية والأدبية، وعلى الكتّاب والفنانين، مثلما فعل مع روايات هاري بوتر بوصفها شيئًا استهلاكيًا سريعًا. وفي سياق ذلك نجده يعيد توصيف الأشياء وتسكينها وفق رؤيته وكراهيته للعادي والبسيط والعرفي والمتداول، فاهتمامات الناس لا تغريه بالاقتراب، بل تدفعه إلى الابتعاد والانعزال.
وفي كل حركته المحسوبة بدقة نجده حاد الطباع مع الفصائل العديدة للبشر، ولا يسدل مساحة اتصال مع أحد إلا مع شخصية واحدة تشابهه في المنزع، وفي الانفصال عن العالم الطبيعي، حيث يدوران في سياقات من العزلة الفائقة، ويتحوّل الواقع إلى حلم، والحلم يتجلى بوصفه واقعًا. تدخلنا الرواية، في إطار هذه الجزئية، نحو العوالم التي يستطيع البشر خلقها، كأنها أوتار يتحركون فوقها، وفعل الذاكرة يمثل الرابط بينها في تواليها أو توازيها.
الذات ولامعقولية العالم
من يقرأ هذه الرواية أو النص السردي يدرك أن هناك مغايرة للبنية التقليدية الكاملة في السرد التقليدي المعهود، فهي أشبه باعترافات أو بأخبار منتقاة بعناية تقدمها الذات للكشف عن وضعها القلق داخل الوجود، وعن سوء تكيّفها، وعن انعزالها. فهي كتابة عن الذات التي تطل دائمًا في عداء مع العالم، ولديها يقين بأن المستقر الذي ينشغل به البشر ليس حقيقيًا، فهم لا ينشغلون إلا بالزائف وغير الحقيقي المتداول والمتاح.
يركز النص السردي أو الخبر على الذات، فليس هناك غيرها، سوى واحدة يوسّع النص الحديث عنها في الأخبار بشكل متدرج. والذات حين تصغي إلى نفسها وحواراتها العميقة لا تعي بشكل واضح الحوار مع العامة في مكان العمل أو الشارع، لأنها أسست وجودها خارج المشهد لا داخله، وعقدت اتصالها ذاتيًا مع ما تراه يستحق الإصغاء والاهتمام، فالسارد يتذمر من الصخب والضجيج، ومن الصوت أو الموسيقى. فحاله أشبه بالعمود الذي يقذفه الأعمى بالحجارة. فالعمود في موقعه متّحد بذاته، لا يقوم بجهد في العناية بالآخرين.
يركز هذا العمل اهتمامه على الذات في وحدتها وهامشيتها ويومياتها، وعلى قدرتها على غلق نوافذها بعيدًا عن الآخرين، ولا تمدّ أسس تواصلها مع الخارج إلا في إطار ما يكفل لها هذا الوجود الخاص. وجوده، أي السارد، هش، لكنه حر في منطقه، لا يهتم بالعالم أو بمنطلقات انشغاله. الأهمية فقط لذاته، والجنس اليومي مع النساء، وكأنه يشكل حالة من الاحتياج الغريزي، والدافع الأساسي نحو الإمساك بالحرية، والبعد عن قفص التصورات والأعراف التي تجعل البشر يعيشون مستلبين.
الاهتمام بجانب دون آخر يوقظه، ويبث فيه الروح، وإهمال العالم يجعله بعيدًا عن الاهتمام والإدراك، لأن المساحة الذاتية الأولى طغت عليه، وأغلقت وسائل الاتصال به. وهذا يكشف عن رؤية بها نوع من المشروعية لذاته، وبها الكثير من التميز والاختلاف. فالأمر بالنسبة إليه في مسألة الانعتاق أو الانعزال عن العالم كاشف عن اختيار قائم على المعرفة وعن الإدراك شديد الخصوصية، لبشر يتحركون تحت ضغط القيود التي آثر أن يتخلص منها، مثل الخير والشر، والأخلاق والمبادئ، والقوانين والأعراف، فهي في ذهنه أشياء تقلّص مساحة الحرية، والنهم المشدود للنساء والطعام.
الغرابة في كشف المألوف والمتداول وتعريتهما كاشفة عن صناعة طريق للحرية، ولن يتأتى له ذلك إلا من خلال النظر إلى نفسه على أنه مغاير ومختلف في وعيه بالحياة والكون. تتبدّى ملامح الاختلاف في المعرفة الموسوعية التي يملكها، ولا تخطئها العين. فهناك معرفة ترتبط باللغة والتراث العربي، بداية من ألفية ابن مالك، مرورًا بالشعراء مثل (أبي حيّة النميري)، و(الحارث بن عبّاد)، و(عنترة)، وانتهاء بالمعرفة الدينية مثل الفقه، وحديثه عن الشفعة: هل هي بالخلطة أم بالجوار، وعلم الوقف، مثل إشارته إلى الوقف على المقطوع والموصول.
تظهر أيضًا المعرفة الفلسفية بشكل واضح ولافت للنظر، مثل حديثه عن قابلية التكذيب عند كارل بوبر، أو عن كانط، أو كولن ولسون، وراسل، وفينجشتاين، وابن سينا والفخر الرازي. ويتجاوب مع هذه المعرفة الفلسفية وعي لافت بالكتّاب والروائيين، مثل كافكا وعمله المسخ، وفيكتور هوجو صاحب رواية البؤساء، وجيمس جويس، وديستويفسكي، ومؤلفة هاري بوتر وآخرين. بالإضافة إلى إشارات واعية ولافتة إلى البوذية والنرفانا والسبيوكو، وهو طقس انتحاري ياباني قديم لتفادي الوقوع في الأسر.
والنص السردي في كل هذه الإحالات المعرفية والفكرية لا يستخدمها إلا لكونها فاعلة في بناء سياقه وإطاره الفكريين اللذين يُبنيان بوعي. فحين يعود إلى أغنية (يجب أن يستمر العرض) لفريدي ميركيري، فإنه لا يعود، وإن لم يشر إلى فريدي ميركيري، عودة عارية من الدلالة، لكنه يستخدمها للإيحاء بحتمية الاستمرار داخل هذا العالم، والعمل على صناعة أسطورة الذات من خلال اكتساب الحرية في مخالفة المجموع، بالرغم من شعوره المهيمن بلامعقوليته. وحين يعود إلى عالم الرياضيات كازينسكي، الذي كان يرسل الطرود المفخخة لمن يريد أن يتخلص منهم، فإن ذلك يتساوق مع رغبته في محاولة التخلص من صخب العالم الزائف.
تعيدنا الكتابة السردية في هذا النص إلى مجموعة نصوص تتقاطع معه في الإطار العام، وهي الأعمال التي توقف عندها كولن ولسون في كتابه جهير الصوت عن فكرة (اللامنتمي)، لأن مقاربة البطل سوف تثبت، وإن لم يذكر اسمًا يدل عليه أو مكانًا، أنه في عداء كبير مع البشر والعالم، ولديه مساحة كبيرة من الضجر، سوف يشعر بها كل من يقرأ النص، وهناك أيضًا تشويه للعرف والسائد، والانتقاص من حركة المجموع وتوجهه، والسخرية من رغبات أفراده واهتماماتهم، لكن الكاتب أو النص يستند إلى هذه الفكرة لكي يجليها ويطورها في اتجاه آخر، يرتبط بالإنسان والوجود والأسئلة الميتافيزيقية التي تلحّ على ذهنه دائمًا.
وارتباط هذا النص بهذه الأعمال التي أسّس توجهها (ولسون) لا يقف عند حدود الانعزال والحكم بعدم معقولية العالم، وإنما يمتد إلى إشارات ترتبط بشخصية البطل/السارد في النص، فثمة إشارات واضحة الدلالة على تميّزه في مجالات عديدة، مثل المعارف والأدب والطب والتشريح، وهذا ربما يعيدنا إلى معتقد ولسون بأن مثل هؤلاء البشر الذين ينعزلون عن العالم أقرب إلى العباقرة. وقد حلل ولسون بشكل لافت آثار كتّاب كبار، مثل (كافكا) و(ديستويفسكي) و(همنجواي) و(نيتشه) و(هيرمان هسه) و(كامو) و(فان جوخ).
عدم وجود سبب للقتل، وإن تحقق في حالة واحدة، يجعل البطل قريب الشبه ببطل الغريب (لكامو)، الذي يجد نفسه قاتلًا، فمنطق القتل أو تبريره أن تكون هناك مصلحة لعملية القتل، ثم يكتشف بعد ذلك أنه يقتل لكونه بعيدًا عن حقيقته. ويتشابه بطل الرواية أو النص السردي مع (ستيفن وولف)، بطل إحدى روايات هيرمان هسه، فكلاهما يتمتع بثقافة عالية، وكلاهما منغلق على ذاته منطوٍ إلى داخله، يبدأ يومياته بوصف نموذجي، ثم يقرأ قليلًا ويستحم.
لا تخلو الشخصية من غرابة في الحكم على العالم؛ فهي تبتعد عنه وتشتبك به من أيسر جوانبه، فلديها إيمان بلامعقوليته. وفي انعزالها والبعد عن المستقر، ومخالفة المجموع، والسير ضد عاداته وأعرافه، جزء من منطلقات النص، بل يأتي الحديث عن كل هذه الأشياء حاملًا مضامين وإشارات السخرية الواضحة، وكل ذلك يشكل بحثًا عن الحرية في درجتها القصوى، وعن الإيمان باشتباك دائم التكرار مع الخطأ المتكرر والذنب.
البطل/السارد داخل هذا العالم وخارجه في آنٍ واحد، يتواصل مع البشر في عمله أو الشارع أو في المقهى، لكن كل اهتماماته محصورة في ذاته. ويظهر هذا التوزع بين الداخل والخارج، أو بين آخرته ودنياهم، أو بين دنياه وآخرتهم، في وجود ظاهرتين لهما وجود ملموس: الأولى تتعلق بالكيفية التي تتجلى بها اللغة، بالإضافة إلى التعابير والمصكوكات التي تلحّ في خطابه وأحلامه، كأنه خارج زمنه، وينتمي إلى أزمان أخرى سابقة على لحظته، ويجليها ويعيد الارتباط بها آنيًا.
يدرك القارئ للنص أن هناك نمطين لاستخدام اللغة: الأول النمط الذي يستخدمه في وجوده العام مع المجموع، متابعًا حركتهم واتجاههم الإنساني، وانكبابهم على الحديث في موضوعات مشتركة في إطار التوجهات التي يصنعها السياق الجمعي. هي لغة السرد البسيطة المستخدمة في الكتابة والتداول بين البشر بشكل عام.
أما النمط الأخير ففيه اتكاء على لغة ترمم وحدته أو تحتفي باغترابه. وفيه يطلق لخياله الحرية القصوى في العودة إلى لغة تراثية محمّلة بارتدادات إلى القديم بكل تنوعاته، وإلى المحفوظات الإيقاعية التي تشكل للإنسان وجودًا بالقوة أو عودة طاغية دون رغبة، فهي لغة للتعبير عن وجهين متناقضين، وربما للتعبير عن زمنين بينهما مسافات طويلة.
ففي لقائه بأصدقائه وحواراتهم المتعددة نلاحظ وجود اللغة السردية العادية حول العمل وخارجه، ثم نجد نقلة خارج هذا السياق إلى سياق جديد خاص به، وإلى لغة محمّلة بالثقافي والأدبي، يقول النص: (وبقي من طبقي القليل، أنهيته بسرعة، لأعود إلى مكتبي، وأذر هؤلاء في طغيانهم يعمهون. مجانين). اللغة الأولى انسيابية، يتفق حولها الجميع وحول فحواها الدلالي، لكن الأخرى ذاتية، تصنع من مخبوء الذات وثقافتها مجالها الذي تؤسسه، أو تروم تأسيسه.
تتجلى المشكلة حين يجمع النص النمطين في سياق واحد، أي حين يشتغل الإدراك العام والحضور التأسيسي للذات معًا. في هذه الحالة نجد أنفسنا أمام نمطين يتداخلان، داخل العالم وخارجه، والوجود موزع في الزمن، وكأننا أمام ذات تتحرك بروحين: روح تفكك الذات وغموضها في عالمها أو عوالمها الخاصة، وروح للتواصل الآني المعهود.
فحين يتحدث عن تكليف مديره بعمل ما في الجزء الذي جاء بعنوان (الميثاق)، يقول: (جاء إلى السبورة خلفي، وعيني تلاحقه، وعقلي يلاحق زنبور سيبويه). ندرك أنه يعيدنا إلى قصة سيبويه والكسائي. فقد تناظرا، وسأل الكسائي سيبويه سؤالًا: كنت أظن أن لسعة الزنبور أشد من العقرب، فإذا هو هي أم هو إياها؟ اللغة المستخدمة هنا تعبّر عن السياق الجماعي وعن سياق الحال الشخصي، يكوّنه الذهن برابط أو من دون رابط.
وإذا خرج من سياق العمل، فإن ذلك بداية للخروج من نمط اللغة الأولى، للعودة إلى نمط اللغة الثانية، حيث تغادر اللغة عصريتها، وتعود إلى مسوحها القديمة وأساليبها: (كما تعرف الآن، فإن صاحبك لا شيء أبغض إليه من الصخب والضجيج، وقد تحسب ذلك مقصورًا على المسموعات، وأظنك تحب أن تعرف رأيي فيما سوى ذلك من مدخلات الحواس).
اللغة هنا تستحضر مخاطبًا متخيلًا طوال النص، وتحاول، على غرار النمط الكتابي القديم، أن تؤسس نوعًا من الألفة مستحضرة أساليب القدماء، مثل الدعاء في (عافاك الله). الاختلاف بين النمطين اللغويين بالغ الدلالة على اختلاف سياقين وعالمين وزمنين: عالم الذات الخاص، المنفتح على عوالم قديمة سابقة، وعالم الوجود الجمعي الكبير اللحظي، مثل قوله: (وكان ما كان مما لست أذكره)، أو (فرحوا بي هشّوا وبشّوا).
القتل المتسلسل أم الوجود الفائق
تقوم بنية العمل على فكرة الإخبار الذاتي أو الاعترافات، حيث يتشكل النص في حدود إطار شديد الخصوصية قائم على الإخبار والانتقاء من جانب، وعلى التشويق وتفتيت الحكاية من جانب آخر. فالنص لا يقدم بنية جاهزة، وإنما شذرات منتقاة من حياة كاملة، ويستخدم في الآن ذاته كل الجسور التعبيرية التي تصنع مخاطبًا متخيلًا، وتولّد معه نوعًا من الألفة بالأساليب التراثية القديمة، مثل الخطاب للمتعين أو المحدد أو الدعاء له بالبقاء.
يكشف عن التفتيت الجزئي النظر في طبيعة الفصول وعناوينها، مثل (أحلك أيام الشهر ليلًا)، أو (خبر المرآة)، أو (خبر الملحمة البحرية)، أو (خبر الرحلة الأفريقية)، أو (خبر الدمية)، أو (خبر الأرنب)، أو (أعين ترى المعارج)، أو (الليلة التي جاءت من أرض السمسمة). وربما يكون المدخل لقراءة العمل كاملًا الوقوف عند الترابط بين عنواني الفصلين الأول والأخير، لأن الوعي بهذا الترابط يزحزح العمل من بنية واقعية إلى بنية متخيلة.
فالعنوانان، حين يتم الربط بينهما، كاشفان عن وجود متعدد فائق، حيث تنكسر قوانين المكان والزمان، لتحل محلها قوانين أبدية ترى البداية والنهاية في آن، وتستحضر الماضي والآني والمستقبل، كأنها وجودات متوازية. في النص يخايلنا في أحايين كثيرة أننا أمام نص لا يدور حول مركز الواقع والزمن، لكنه يتلاعب بهما. وأسباب ذلك الشعور كثيرة، منها الإشارة إلى كونه، في لحظة الاتصال العشوائي بالمرأة لممارسة الجنس أو عمليات القتل، لا يتصرف بوصفه متجذرًا داخل وجود عيني محدد، وإنما بوصفه داخل سياقات فوق طبيعية، ويصبح قابلًا للتشكل داخل وجود مغاير.
في النص هناك إشارة إلى تنين الموجة الإدراكية، وهي إشارة إلى تفكك الوجود الواقعي، وإعطاء المتخيل نوعًا من التماسك، وتفعيل وجوده والحركة وفق تحققه. ففي هذا النص نحن أمام قدرة لافتة على تحويل المتخيل إلى واقع، وتحويل الواقع إلى متخيل، ويتبادلان الحركة والفاعلية دون قدرة حاسمة على تحديد نقطة البداية أو النهاية لكليهما.
إن تنين الموجة الإدراكية الذي يلحّ عليه النص في اللحظات المفصلية في أجزاء كثيرة، ومع كل خروج عن المنطق، ليس سوى قدرة على إعطاء المتخيل براحه الواسع، حيث لا يكتفي فقط بإعمال الخيال وغرائبيته، لكنه يؤهله للخروج عن الزمن الواقعي، ويجعله يعاقر أزمنة سابقة أو تجليات وجودية سابقة أو موازية لذات الشخص، وفيها يتحلل من وجوده المشفوع بالنقصان إلى وجود أقرب للاكتمال، ونراه في هذه الحالة يمثل وجودًا موازيًا (لفارسة الظلام) التي يتحدث عنها، وهي امرأة تندّ عن التصور الواقعي، ولم يكفّ عن نعتها بالوجود الميثولوجي.
انقطاع التواصل مع المجموع، وارتباطه بحدود الذات في تحولاتها وتنقلاتها، ارتباط بالحقيقي بعيدًا عن الزائف، فالتركيز في ارتباطه بالعالم مشفوع بالاستناد إلى مرتكزات ذاتية خيالية. ولهذا يلحّ في النص التنصل من الذهنية الجماعية المثقلة بمحفوظاتها الخاضعة للنمط الثقافي وطريقة الحفظ والتلقين التي تسم الجميع بميسم وتشكيل أحادي ثابت ومثقل.
المخزون الثقافي الذي يطلّ في ثنايا الخطاب عبارة عن فواصل سميكة تبعده عن الحقيقي، ويمكن أن يضاف إلى هذه المصكوكات الثقافية النمطية النفور الواضح من كل المنتجات الاستهلاكية التي تضيف طبقات جديدة فاصلة، مثل التلفاز والموبايل. فهناك محاولة لكشط كل هذا الزائف، والعودة إلى الحقيقي القديم، ويتجلى ذلك في شكل ارتباطات ومتواليات لا رابط بينها في التوالد والتآلف لإعادة خلقها في سياق جديد.
في النص جزئيات ودلائل كاشفة عن مشروعية هذا المنحى في تلقي العمل، منها الإشارة إلى الوجود المتبدل الذي يتم خلقه بحضور التنين الإدراكي، فكأن هناك اتصالًا ما، خاصة حين نعاين حديثه عن امرأة العدسات، يقول النص: (وأعتقد أن هذا من تدبير التنين الذي أخبرتك عنه، فإنه يطير بي حيثما أراد، وينزلني في كل مرة في الموضع الذي أحتاج أن أكون فيه، وليس المكان الذي يضعني فيه).
يسهم التنين الإدراكي في تفتيت الحضور الواقعي، ويحرر أجنحة المتخيل، لتصبح صاحبة الحضور الفريد في المشهد، وتتساوق مع الأحلام بوصفها خروجًا عن الواقع، وإن كانت مرتبطة به على نحو ما. ثمة مقولات ينثرها النص عن قصدية وتدرج يكشفان عن قيمة هذا التأويل ومشروعيته، فنراه، أي النص، على سبيل المثال، يربط بين الحلم والخيال، ليس بوصفهما مستويين مثاليين لا يمكن تكديسهما، بل بوصفهما يشكلان صورًا عديدة لواقع الذات: (أنت في أحلامك تعيش حياة كاملة).
حديث النص عن الأحلام لا يجليها بوصفها وجودًا غير مدرك أو ملموس، بل بوصفها وجودًا موازيًا. فالحلم، مثله مثل الخيال، لا يتناقض مع الواقع، بل هو تجلٍّ سامٍ للحقيقة المتوارية تحت صلابة وهيمنة الزائف. يقول النص عن الحلم/الخيال/الواقع الفائق: (هو أن تكون نائمًا، لكنك واعٍ بنومك، ولكن شيئًا فشيئًا تتحكم بوعيك، حتى تصنع في أحلامك كما تريد).
الحلم هنا ليس منفصلًا عن الواقع، بل هو واقع حقيقي، يمكن، في منطق النص، صناعته وتشكيله. هو وجود موازٍ، وليس مختزنًا غائبًا، شريطة أن نكفل له حرية الحركة. وربما تفلح وقفة متأنية عند الحوار الذي دار بينه وبين المرأة الدمية في أن تكون كاشفة عن ذلك: (هي: هل تظن أن المضاجعة، تقصد في السينما، حقيقية؟ وضحكتُ بصوت مزعج استخفافًا بهذه المعلومة. تمثيل كله تمثيل. هو: هذه وظيفة تناسبني تمامًا).
في إطار كل ما سبق، وفي إطار مقولات أخرى تكشف عن مساحات التلاعب والخروج من الواقع إلى المتخيل الموازي، والتدثر به والسير في حدود ما يتيحه من كشوفات، يتولد العبث والزلزلة بكل قواعد المنطق والزمن، فهو لا يستقوي بالواقع، بل يخلق عوالم موازية أو وقائع موازية. ويتحدث السارد عن نفسه في تصوير ذلك قائلًا: (ولكن طرقي في سردها ليست الطرق المعتادة، ولا الطرق الاحترافية).
تتجمع كل الإشارات السابقة التي تشير إلى صناعة الوجود الفائق الأبدي بالمتخيل، وتناوش نموذجًا شبيهًا بالبطل، وهي فارسة الظلام، وتشكل أكثر الشخصيات حضورًا بجوار البطل في النص، وإن كان الحضور متواريًا في الفصل الأول (أحلك أيام الشهر ليلًا)، والفصل قبل الأخير (أعين ترى عالم المعارج)، والأخير (الليلة التي جاءت من أرض السمسمة). وإذا تم قبول هذا الترابط من البداية إلى النهاية، فالأمر يتعلق بزمن خارق للمنطق، وخارج الحساب المعهود، حيث الوجود المتعدد الموازي.
ولقد كان التعامل مع تلك الشخصية مغايرًا للمعهود في التصوير وآلية التصوير وتقنية تشكيلها السردي. فصورتها جاءت كاشفة عن الاختلاف، ومعها ظل تعبير (الوجود الميثولوجي) ملازمًا لها ولحضورها. هي تتعاظم، وإن كانت تقوم بالفعل الواقعي في منطق السرد، على المادية المعهودة، فهي نموذج علوي، وعوالمها علوية. وحين تصف نفسها يلحّ بوضوح الوجود المغاير، فتقول عن نفسها: (أرى نفسي في كون موازٍ أعيش هذه الحياة).
إن وجودهما معًا، فارسة الظلام والسارد، يشكل وجودًا خاصًا يبدو واضحًا في الفصلين الأخيرين (أعين ترى عوالم المعارج)، و(الليلة التي جاءت من أرض السمسمة). والسمسمة، في علم التصوف وعند ابن عربي تحديدًا، الحبة الصغيرة التي تشكل الوجود على امتداد مكانه وزمنه الأبدي. وحين يلتقيان، هناك نوع من الإدراك الفائق والتخاطب الفكري بتعبير كولن ولسون، وكلاهما يثبت أن الإنسان إذا تحرر فعلًا من ربقة المادة وأدرانها بملك قوة أكبر مما يدرك.
في ظل الفهم السابق سوف تكفّ عمليات القتل، أو الهوس الجنسي نحو النساء، عن دلالاتها المادية، لكي تصبح عقدًا مادية أو مطبات يجب على الإنسان أن يمر بها، ويتحرر منها للوصول إلى الوجود الفائق والفذ. ففي الفصل الذي جاء بعنوان (أعين ترى عوالم المعارج)، ربما نجد تأثرًا بنيتشه وفكرته عن الإنسان الأعلى، وكأنها حاجة الإنسان إلى الخلاص من كل قيوده.
ألم يتصادم السارد الفعلي في النص مع كل الأعراف والنظم المستقرة؟ ألم يعرض علينا تفسخ العالم، وهو يرقبه من وجوده المتأمل في مكانه الأعلى؟ ألم يقل نيتشه على لسان زرادشت: (إن آخر ما أعد بإنجازه هو إصلاح البشر... لينبذوا الأصنام، وأعني بالأصنام المثل العليا)؟ وقد أشار ديستويفسكي إلى شيء من هذا في رواية (الإخوة كارامازوف)، وقد توقف ولسون أمامها قائلًا: (إن التطرف في الجريمة، والتطرف في الزهد يحرران الإنسان).
وقد مارس النص، بعيدًا عن الصورة الداخلة والخارجة عن العالم لفارسة الظلام، الكثير من التشويق في تقديمها سرديًا إلى المتلقي، كأن يفاجئك أثناء سرد حادثة من الحوادث أو خبر من الأخبار بالانتقال إلى موضوع آخر يرتبط بالواقعي بصلة ما. ففي بعض الفصول يقول: (وأرجو أن أقص عليك شيئًا من أخبار فارسة الظلام في مناسبة أخرى). وإمعانًا في التشويق، نجده يستخدم الجملة بصيغ مختلفة في أماكن عديدة متفرقة من النص.
مع فارسة الظلام يأخذ الأمر في صناعة التشويق أبعادًا أخرى، لأن الأمر لا يرتبط بمتلقي النص، لكنه، فوق ذلك، يرتبط بمنجزه أو قائله. فقد غدت النموذج الأعلى أو طريق الوصول، فيذكرها كثيرًا مرة بعد مرة، وكأن في ذكرها استعدادًا وتجهيزًا للوصول إلى مدارها. فبعد أن يشير إلى البعد الميثولوجي في تكوينها، يقول: (أرجو أن أشاركك فيما بعد طرفًا من أخباري مع فارسة الظلام)، أو عند الحديث عن امرأة يقارنها بها، ويردف ذلك بقوله: (وسيأتيك خبر فارسة الظلام).
لقد أصبح الذكر وتكراره لفارسة الظلام أقرب إلى التعويذة التي يستقوي بها للعودة والالتحام بها، ليحقق الوجود الأبدي الذي يعيده إلى نقطة البداية للوجود المتكرر المتوازي أو المتوالي للذات في أزمنة سحيقة. فالسرد لم يتمدد بشكل متدرج ومستمر مثلما فعل معها. والصورة المقدمة تكاد تندّ عن التصور المادي للنساء أو لجنس البشر أصلًا، فقد شدّته إليها للارتباط بالميثاق القديم، بل الموغل في القدم.
رواية (أدران الهيولى) رواية محمّلة بعمق فكري ومعرفي، وتناوش، أو تقارب، بجدية موضوعات لم يتم التوجه نحوها إلا من خلال فنون أخرى، ولهذا أعتقد أنها تمثل المحاولة الجادة الأولى والمهمة في الفن الروائي، وهذا يجعلها رواية غير مسبوقة في دمج الواقع بالخيال، والمعرفي بالفلسفي والصوفي، وتتشكّل جدّتها أيضًا في بنية روائية جديدة، حيث تتوزع الجزئيات في بناء فريد.

غلاف الرواية