تمثل آبار الصحراء الشرقية، خاصة الواقعة في جنوب محافظة البحر الأحمر داخل نطاق حلايب وشلاتين، أحد أهم الشواهد التاريخية التي ارتبطت بحياة الإنسان في هذه المنطقة عبر مئات السنين، فقد كانت هذه الآبار المصدر الرئيسي للمياه العذبة في قلب الصحراء، واعتمد عليها الحجاج القادمون إلى ميناء عيذاب التاريخي في رحلتهم إلى الأراضي المقدسة، كما مثلت محطة أساسية للرعاة وقوافل الإبل وعابري الطرق الصحراوية الذين وجدوا فيها ملاذا آمنا يروي عطشهم ويضمن استمرار رحلاتهم عبر الوديان الممتدة.
ولا تزال مجموعة من هذه الآبار تؤدي دورها حتى اليوم، إذ يعتمد عليها أبناء البادية في توفير المياه، كما تستخدم في سقاية الإبل التي لا تزال تمثل جزءا مهما من طبيعة الحياة في المنطقة، لتبقى شاهدة على تاريخ طويل من التعايش بين الإنسان والصحراء.
أسماء ارتبطت بالأودية والمواقع الطبيعية
وتحمل معظم آبار الصحراء الشرقية أسماء الأودية التي تقع بالقرب منها، وهو ما يعكس ارتباطها الوثيق بالطبيعة الجغرافية للمنطقة، ومن أشهر هذه الآبار بئر “قومدليم” الواقع داخل وادي قومدليم، والذي لا يزال يستخدم حتى الآن في سقاية الإبل، إلى جانب آبار أخرى مثل “أدلديت” و”شناي” و”بيتان” و”قرت”، وهي آبار لعبت دورا محوريا في استمرار الحياة داخل واحدة من أكثر المناطق جفافا في جنوب البحر الأحمر.
وتشير الروايات المتوارثة بين أبناء القبائل إلى أن عددا من هذه الآبار يعود تاريخه إلى ما قبل فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث كانت معروفة لدى قبائل البجا وأحفادهم، الذين اعتمدوا عليها كمصدر دائم للمياه، وحافظوا عليها عبر الأجيال.
بئر قومدليم محطة رئيسية لقوافل الإبل القادمة من السودان
ويقول الحسن عثمان احد ابناء الشلاتين، إن بئر “قومدليم” يعد من أشهر الآبار التاريخية في المنطقة، نظرا لموقعه على مسار قوافل الجمال القادمة من السودان عبر منفذ فنات، حيث كانت القوافل تتوقف عنده للحصول على المياه قبل مواصلة رحلتها داخل الأراضي المصرية.
وأضاف أن هذه الآبار لم تكن مجرد مصادر للمياه، بل كانت أيضا نقاط تجمع رئيسية للإبل، خاصة في مواسم التنقل والرعي، وهو ما منحها أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة لدى القبائل التي استوطنت المنطقة منذ مئات السنين.
أدلديت وبيتان وشناي آبار تحمل تاريخ القبائل
وأوضح الحسن عثمان أن بئر “أدلديت” يتكون من بئرين يقعان بالقرب من ساحل البحر الأحمر، وتتميز مياههما بدرجة ملوحة مرتفعة، ما يجعلها غير صالحة للشرب الآدمي، إلا أنها تعد من أهم مصادر المياه التي تعتمد عليها الإبل القادمة من السودان، حيث تستخدم بشكل أساسي في سقايتها خلال رحلاتها الطويلة.
وأضاف أن بئر “شناي” يعد من الآبار المهمة أيضا، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى أحد المحاربين القدامى في المنطقة، وهو بئر صالح للشرب ويتبع قبيلة البشارية، بينما يعد بئر “قرت” من أقدم الآبار الموجودة في الصحراء الشرقية، ولا يزال حتى الآن يمثل مصدرا مهما للمياه الخاصة بسقاية الإبل.
أما بئر “بيتان”، فيقع بالقرب من جبل الضهر بمنطقة أبرق شمال غرب مدينة الشلاتين، ويعد من أقدم الآبار التي اعتمدت عليها القبائل، إذ وفر المياه لأكثر من مئة عام، وظل يمثل محطة رئيسية للتزود بالمياه بالنسبة للرعاة والمسافرين.
صحراء عيذاب وطريق الحجاج إلى الأراضي المقدسة
وأشار إلى أن الصحراء الشرقية كانت تعرف قديما باسم “صحراء عيذاب”، نسبة إلى ميناء عيذاب التاريخي الذي كان أحد أهم موانئ الحج والتجارة على ساحل البحر الأحمر، حيث كان آلاف الحجاج يسلكون هذا الطريق للوصول إلى الأراضي المقدسة.
وأوضح أن المنطقة كانت تضم في الماضي عددا من عيون المياه الطبيعية، إلا أنه مع وصول الاحتلال الإنجليزي، جرى تحويل العديد منها إلى آبار منظمة، بعد اكتشاف وجود خامات الذهب في المناطق المجاورة، وهو ما دفع سلطات الاحتلال إلى تطوير مصادر المياه لضمان استمرار الأنشطة داخل المنطقة.
تنظيم القبائل وحماية مصادر المياه
وأكد ابن قبيلة البشارية أن الإنجليز قاموا أيضا بتعقيم عدد من الآبار وتنظيمها، كما وضعوا حدودا للأراضي المحيطة بها، بحيث أصبحت كل قبيلة مسؤولة عن الآبار الواقعة داخل نطاقها، وهو النظام الذي ساهم في الحفاظ على هذه الموارد المائية واستمرار استخدامها حتى الوقت الحالي.
وأضاف أن للآبار مكانة كبيرة في التراث الاجتماعي لقبائل المنطقة، حيث ترتبط بعادات وأعراف متوارثة تنظم الاستفادة منها، كما يتم التعرف على ملكية الإبل من خلال الوسوم الخاصة بكل قبيلة، وفي حال مرور قافلة تتبع قبيلة أخرى وعدم تقديم المياه لها، يجتمع شيوخ القبائل للنظر في الواقعة والفصل فيها وفقا للأعراف القبلية التي لا تزال تحظى بالاحترام حتى الآن.

أبار الجنوب لسقيا الأبل

آبار الصحراء الشرقية

آبار لها تاريخ بحلايب وشلاتين