جلال عبده هاشم.. فدائي الإسماعيلية الذي حوّل شظايا الحرب إلى تماثيل ووثق سنوات القصف.. جمع بقايا المعارك وصاغ منها "الصمود والنصر".. والبداية كانت بنشر إعلان «تسليم شظايا القنابل وبقايا أسلحة الغارات».. صور

الإثنين، 12 أكتوبر 2026 08:00 م
جلال عبده هاشم.. فدائي الإسماعيلية الذي حوّل شظايا الحرب إلى تماثيل ووثق سنوات القصف.. جمع بقايا المعارك وصاغ منها "الصمود والنصر".. والبداية كانت بنشر إعلان «تسليم شظايا القنابل وبقايا أسلحة الغارات».. صور جلال عبده هاشم فدائي الإسماعيلية

صبرى غانم

في تاريخ الإسماعيلية، ارتبطت سنوات ما بعد يونيو 1967 بذكريات القصف والتهجير والمقاومة الشعبية، وهي مرحلة تركت آثارًا واضحة على أبناء المدينة ومدن القناة عمومًا.

ومن بين أبناء الإسماعيلية الذين عاصروا تلك الفترة وشاركوا في أنشطة المقاومة الشعبية، يأتي اسم جلال عبده هاشم، الذي اختار بعد ذلك وسيلة مختلفة لتوثيق ما عاشه؛ فبدلًا من الاحتفاظ بشظايا القنابل وبقايا الأسلحة باعتبارها مخلفات حرب، استخدمها في صناعة تماثيل حملت أسماء مرتبطة بتلك المرحلة، أبرزها «تمثال الصمود» و«تمثال النصر».

القصة، كما يرويها هاشم، بدأت من تجربة شخصية مع الحرب، ثم تحولت تدريجيًا إلى محاولة لتوثيقها من خلال الفن.

النشأة في مدينة عاشت سنوات الحرب

ولد جلال عبده هاشم في الإسماعيلية يوم 15 يناير 1941، ونشأ في المدينة خلال فترة شهدت تحولات سياسية وعسكرية متلاحقة.

وبحسب روايته، شارك أفراد من أسرته في المقاومة الشعبية عقب نكسة يونيو 1967، كما عايش آثار الغارات التي تعرضت لها الإسماعيلية خلال سنوات حرب الاستنزاف.

يستعيد هاشم تلك الفترة قائلًا: "كل أفراد عائلتي كانوا ضمن المقاومة الشعبية بعد 67، وكنت شاهدًا على دمار البيوت وانفجارات الدانات وموت المدنيين الأبرياء، لكني رأيت أيضًا كيف ظل أهل الإسماعيلية صامدين في وجه الغارات".

وتعكس هذه الشهادة جانبًا من التجربة التي عاشها أبناء المدينة خلال تلك السنوات، عندما أصبحت الغارات والقصف جزءًا من الحياة اليومية لسكان مدن القناة.

المقاومة الشعبية في مواجهة آثار النكسة

أعقبت نكسة يونيو 1967 مرحلة جديدة من الصراع بين مصر وإسرائيل، عُرفت بحرب الاستنزاف، وشهدت جبهة قناة السويس مواجهات عسكرية متكررة.

وفي هذه الأجواء، شارك مدنيون في أنشطة المقاومة الشعبية إلى جانب الدور الذي قامت به القوات المسلحة، بينما تعرضت مدن القناة للقصف، ونزح عدد من سكانها في إطار عمليات التهجير المرتبطة بالحرب.

كان جلال عبده هاشم واحدًا ممن عاصروا هذه المرحلة، لكنه لم يتعامل مع آثارها باعتبارها مجرد ذكريات شخصية، إذ بدأ يبحث عن طريقة للاحتفاظ بجزء من مخلفات الحرب وتحويلها إلى أعمال فنية.

إعلان في الصحف لجمع شظايا القنابل

يروي هاشم أنه نشر إعلانًا في إحدى الصحف طلب فيه من الأهالي تسليمه شظايا القنابل وبقايا الأسلحة التي عثروا عليها بعد الغارات.

ومع استجابة عدد من المواطنين، بدأت تتجمع لديه كميات من الشظايا، لتتحول الفكرة من مجرد جمع للمخلفات إلى مشروع فني.

ولتنفيذ الفكرة، استعان بصديق يمتلك ورشة للحام، وبدأ في تشكيل الشظايا وتجميعها في عمل فني يجسد رؤيته لما جرى خلال الحرب.

وكانت ظروف التنفيذ، وفقًا لروايته، صعبة، في ظل استمرار أجواء الحرب وقلة الإمكانيات المتاحة.

"تمثال الصمود".. قراءة فنية لمرحلة المقاومة

كانت النتيجة الأولى تمثالًا أطلق عليه هاشم اسم "تمثال الصمود".

ويجسد العمل شابًا مصريًا يقف فوق مجموعة من الشظايا، ممسكًا بسلاح في يده اليمنى، بينما تحمل يده اليسرى قنبلة إسرائيلية.

اختار الفنان هذا التكوين ليعبر عن فكرة أساسية بالنسبة إليه: تحويل أدوات الحرب والدمار إلى رمز للمقاومة.

وبحسب المعلومات التي يوردها هاشم، دُشن التمثال عام 1968 ووضع في شارع محمد علي أمام مدخل نمرة 6 بالإسماعيلية.

كما يشير إلى أن العمل عُرض لاحقًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1972، وهو ما نقل تجربته من نطاق الإسماعيلية إلى جمهور أوسع.

وتظل هذه التفاصيل، خاصة المتعلقة بمكان العرض وتاريخه، بحاجة إلى الرجوع إلى السجلات والصور والأرشيف الصحفي المتاح من تلك الفترة لتوثيقها بصورة مستقلة.

لماذا اختار الشظايا تحديدًا؟

اختيار شظايا القنابل كمادة أساسية لم يكن مجرد قرار فني، بحسب رواية هاشم، وإنما ارتبط مباشرة بالتجربة التي عاشها خلال سنوات الحرب.

فالشظية بالنسبة إليه ليست قطعة من المعدن فقط، وإنما جزء من حدث عاشه سكان المدينة.

ومن الناحية الفنية، حمل استخدام مخلفات الحرب معنى إضافيًا؛ إذ أعاد الفنان توظيف مادة ارتبطت بالدمار في عمل يرمز إلى المقاومة.

وبذلك أصبحت المادة المستخدمة في التمثال جزءًا من موضوعه، وليس مجرد خامة لتنفيذه.

من «الصمود» إلى «النصر»

لم تتوقف تجربة جلال عبده هاشم عند التمثال الأول، وفي نوفمبر 1972، بدأ، وفق روايته، العمل على تمثال جديد استند أيضًا إلى شظايا القنابل التي سقطت على الإسماعيلية خلال سنوات الحرب.

هذه المرة حمل العمل اسم «تمثال النصر».

ويقول هاشم إن التمثال بلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار، ووزنه 312 كيلوجرامًا، وإنه جرى وضعه خلف مديرية أمن الإسماعيلية بعد حرب أكتوبر 1973.

ويختلف العمل الثاني في دلالته عن «تمثال الصمود»؛ فالأول ارتبط مباشرة بمرحلة المقاومة خلال الحرب، بينما جاء الثاني في سياق الاحتفال بالانتصار الذي تحقق في أكتوبر 1973.

من مخلفات الحرب إلى ذاكرة المدينة

تكمن أهمية تجربة هاشم في الجمع بين مسارين مختلفين: المشاركة في المقاومة الشعبية من ناحية، ومحاولة تسجيل التجربة من خلال الفن من ناحية أخرى.

فقد تعامل مع شظايا القنابل باعتبارها مادة يمكن أن تحتفظ بذاكرة المكان، ثم أعاد تشكيلها في صورة أعمال تحمل عناوين مرتبطة بالأحداث التي عاصرها.

لكن تقييم التجربة باعتبارها جزءًا من تاريخ الإسماعيلية يحتاج إلى أكثر من الرواية الشخصية؛ فتوثيق مواقع التماثيل وتواريخ إنشائها وعرضها، ومصيرها الحالي، يتطلب الرجوع إلى أرشيف الصحف، والوثائق المحلية، وشهادات شهود آخرين ممن عاصروا تلك الفترة.

وهنا تبرز أهمية حفظ الأعمال نفسها إن كانت لا تزال موجودة، وتسجيل قصتها ومراحل انتقالها، باعتبارها جزءًا من الذاكرة البصرية لمدينة عاشت سنوات الحرب.

شهادة من جيل الحرب إلى جيل جديد

بعد مرور عقود على حرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر، لا يزال هاشم يتحدث عن أهمية الحفاظ على الأرض والذاكرة الوطنية.

ويقول في رسالته إلى الشباب:

«احرصوا على تراب هذا الوطن، فالعدو ما زال يتربص بنا من الداخل والخارج. ما تحقق من صمود ونصر كان ثمنه دماء غالية، فلا تفرطوا في أرض مصر أبدًا.. تحيا مصر».

وتكشف هذه الكلمات عن استمرار ارتباط الرجل بالتجربة التي عاشها في شبابه، وعن نظرته إلى المقاومة باعتبارها مسؤولية تتجاوز زمن الحرب.

حكاية تحتاج إلى التوثيق

قصة جلال عبده هاشم تقدم نموذجًا لفنان ارتبطت تجربته الفنية بحدث تاريخي عاشه بنفسه، واختار أن يستخدم بقايا الحرب في صناعة أعمال تحمل دلالات الصمود والانتصار.


 

الزميل-صبرى-غانم-مع-الفدائى-جلال-عبده-هاشم-
الزميل-صبرى-غانم-مع-الفدائى-جلال-عبده-هاشم-
IMG-20260901-WA0099
IMG-20260901-WA0099

 

الفدائى-جلال-عبده-هاشم
الفدائى-جلال-عبده-هاشم

 

بقايا-طلقات-الحرب
بقايا-طلقات-الحرب

 

تمثال-الصمود-
تمثال-الصمود-

 

تمثال-الصمود-١
تمثال-الصمود-١

 

تمثال-النصر
تمثال-النصر

 

تمثال-النصر-١
تمثال-النصر-١

 

جلال-عبده-هاشم-
جلال-عبده-هاشم-

 

جلال-عبده-هاشم-فدائى-الاسماعيلية
جلال-عبده-هاشم-فدائى-الاسماعيلية

 

جلال-عبده-هاشم-يتحدث-لليوم-السابع
جلال-عبده-هاشم-يتحدث-لليوم-السابع

 

دانات-شاهدة-على-الحرب
دانات-شاهدة-على-الحرب

 

دانات-مدافع-
دانات-مدافع-

 

شظايا-القنابل-
شظايا-القنابل-

 

طلقات-الار-بي-جى
طلقات-الار-بي-جى

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة