مها عبد القادر

معركة الوعي وإنجازات 2025م

الخميس، 08 يناير 2026 03:14 ص


لم تعد التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات مقتصرة على حدودٍ جغرافية أو صراعات عسكرية تقليدية، فقد انتقلت إلى فضاء أشد خطورة وتعقيدًا، فضاء الوعي الإنساني، حيث أصبح العقل بما يحمله من أفكار وقيم ومشاعر واتجاهات هو ساحة الصراع الحقيقية، وميدان المواجهة الأهم في عالم اليوم، فلم تعد الحروب تدار بالدبابات والطائرات، وإنما تخاض عبر الإعلام، ومنصات التواصل، وصناعة الشائعات، وتزييف الحقائق، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

ويفسر ذلك تصاعد الحديث عن حروب الجيل الرابع والخامس بوصفها أخطر أنماط الحروب غير التقليدية، إذ تستهدف هذه الحروب تفكيك الدولة من الداخل، عبر ضرب منظومة القيم، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإشاعة الإحباط والارتباك، قبل أن تمس حدودها أو بنيتها العسكرية من الخارج، إنها حروب صامتة لا تعلن، لكنها تعمل ببطء وعمق، مستهدفة الإنسان ذاته بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرًا في معادلة الأمن القومي، وتكمن خطورة هذه الحروب في أنها تعتمد على الاختراق الفكري والنفسي، وتحويل المواطن من عنصر حماية وبناء إلى أداة شك وهدم، ما يجعل معركة الوعي اليوم جزءًا لا يتجزأ من معركة البقاء والاستقرار والتنمية في الدولة الحديثة.

فقد كان العدو ففي الحروب التقليدية، واضح المعالم والسلاح ظاهرًا للعيان، وساحة المعركة محددة بحدود جغرافية يمكن إدراكها، أما اليوم، فقد تغيرت قواعد الصراع جذريًا، وانتقلت المواجهة من الميدان العسكري إلى الفضاء الرقمي والذهني، حيث تدار الحروب عبر الشاشات، والكلمات، والصور، ومقاطع الفيديو القصيرة، والمنشورات المضللة التي تتسلل إلى العقول دون أن تطلق رصاصة واحدة.

وتسعى حروب الجيل الرابع إلى إضعاف الدولة من الداخل، عبر تفكيك تماسكها الاجتماعي، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وبث مشاعر الإحباط واليأس، وتشويه الرموز الوطنية، واستغلال الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية لتكريس خطاب الفشل، وإقناع الناس بأن الإخفاق هو القاعدة، وأن الأمل مجرد وهم لا سند له في الواقع، وبذلك تستهدف الروح المعنوية للأفراد، وتعمل على إنهاك المجتمع نفسيًا، حتى يفقد قدرته على الصمود أو المقاومة.

وتعد حروب الجيل الخامس، أكثر تعقيدًا ودهاءً، حيث تعتمد على أدوات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والخوارزميات الرقمية، لتوجيه الرأي العام، وصناعة الاستقطاب الحاد، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بطرق تبدو في ظاهرها تلقائية وعفوية، بينما هي في حقيقتها عمليات مدارة بعناية فائقة، و يتحول الهاتف المحمول في هذا النوع من الحروب إلى سلاح، وتصبح منصات التواصل الاجتماعي ساحات معركة مفتوحة، يستهدف فيها العقل والوجدان، وتخلط المشاعر بالحقائق، والرأي بالمعلومة، حتى تتلاشى الحدود بين الصدق والتضليل.

ويكتسب الوعي بعدًا يتجاوز كونه مهارة معرفية أو ثقافية، ليصبح قيمة أخلاقية ودينية ومسؤولية وطنية، فالوعي امتلاك للمعلومة، مع القدرة على التثبت، والتعقل، والتمييز بين الحق والباطل، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو خطاب الكراهية والتحريض، وقد قرر القرآن الكريم هذا المنهج بوضوح حين قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ )سُورةُ الحُجُرات الآية(6 ، فتؤسس الآية القرآنية لأخلاقيات التعامل مع الأخبار والمعلومات، قائمة على التحقق، وإعمال العقل، وتحمل المسؤولية في نقل الكلمة، بما يجعل الوعي حصنًا أخلاقيًا يحمي الفرد والمجتمع من الانزلاق في معارك التضليل والتزييف.

ويأتي دور الأزهر الشريف كأحد أهم الحصون الفكرية والروحية في العالم الإسلامي، ومؤسسة مرجعية تضطلع بمسؤولية كبرى في حماية الوعي الجمعي من الانزلاق إلى دوائر التضليل والتطرف، حيث يربط الأزهر بين الوعي والقيم، في خطاب متوازن يؤكد أن مواجهة الشائعات والتطرف تكون ببناء العقل النقدي، وترسيخ المنهج الوسطي، ونشر ثقافة التثبت والحوار، وقد شدد الأزهر في مناسبات عديدة على أن الشائعة خبر كاذب وأداة هدم ممنهجة، قادرة على تفكيك المجتمعات من الداخل إذا وجدت بيئة جاهلة، أو منفعلة، أو فاقدة للثقة في ذاتها ومؤسساتها، ومن ثم يؤكد الخطاب الأزهري أن خطورة الشائعة تكمن في مضمونها، وسرعة تداولها، وفي الاستعداد النفسي لتصديقها دون وعي أو تحقق، وهو ما يجعل مقاومة الشائعات مسؤولية أخلاقية ودينية تقع على عاتق الفرد قبل الدولة.

ويركز الأزهر كذلك على أن التطرف الفكري هو الوجه الآخر لتزييف الوعي؛ فكلاهما يقوم على اختزال الواقع في رؤية أحادية، وإلغاء العقل لصالح العاطفة المنفلتة أو الفهم السطحي للنصوص، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع وعداء. وفي هذا السياق، يقدم الأزهر نموذجًا في الفهم المقاصدي للنصوص الشرعية، يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويؤكد أن التنوع سنة كونية، وأن الخلاف لا يفسد للوطن قضية ولا للدين جوهره، وبذلك يصبح ترشيد الوعي ضرورة دينية ووطنية؛ فهو ضرورة دينية لأنه يحفظ الدين من التحريف والغلو، وضرورة وطنية لأنه يحمي المجتمع من التفكك والاستقطاب، ويعزز قيم الانتماء والمسؤولية المشتركة، وبالتالي يكون دور الأزهر في معركة الوعي هو دور حضاري واستراتيجي، يسهم في بناء إنسانٍ واعٍ، قادر على التمييز، ومحصن ضد خطاب الكراهية والتضليل، ومؤهل للمشاركة الإيجابية في بناء الدولة والمجتمع.

وقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بحماية وعي مواطنيها، إدراكًا منها أن معارك تحسم بامتلاك وعي جمعي ناضج قادر على الفهم والتمييز والصمود، فالمجتمعات التي تتمتع بوعي راسخ تكون أقل قابلية للاختراق، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأشد استعدادًا لتحويل التحديات إلى فرص للبناء والتماسك، ويمكن النظر إلى ارتفاع منسوب الوعي المجتمعي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في عام 2025، بوصفه أحد أهم المكاسب الاستراتيجية غير المعلنة، لكنه في الوقت ذاته الأكثر تأثيرًا واستدامة، فقد أسهم هذا الوعي في تعزيز صلابة الجبهة الداخلية، وإحباط كثير من محاولات التشكيك والتهويل وبث الفوضى النفسية، ومنح الدولة مساحة أوسع للفعل واتخاذ القرار في محيط إقليمي شديد الاضطراب والتعقيد.

ويأتي هذا التحول ثمرة لاستراتيجية شاملة لمواجهة حروب الجيل الرابع والخامس، اعتمدت على بناء الإنسان وتنمية الوعي، فقد ركزت الدولة على تفكيك خطاب الشائعات، وتعزيز الثقة في مؤسساتها، وتكثيف الخطاب التوعوي عبر الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية، إلى جانب تطوير أدوات التواصل مع المواطن، بما يقلل من فجوات الفهم ويحد من قابلية الاستقطاب، كما أدركت الدولة أن حروب الجيل الخامس، التي تعتمد على التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة الاستقطاب، وتواجه برفع مستوى الوعي النقدي، وتمكين المواطن من قراءة الواقع، وتحليل الرسائل الإعلامية، والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين النقد البناء ومحاولات الهدم المقصودة، بحيث يصبح المواطن الواعي جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي.

ونؤكد أن حماية الوعي في التجربة المصرية يعد نهج استراتيجي طويل المدى، يهدف إلى بناء مجتمع قادر على الصمود النفسي والفكري، وعلى مقاومة محاولات زعزعة الاستقرار من الداخل، فمعركة الوعي هي الأساس الذي تبنى عليه كل معارك البقاء والتنمية، فهي معركة أخلاقية وإنسانية في المقام الأول، تتكامل فيها أدوار الدولة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، والأسرة، والمجتمع المدني، إلى جانب دور الفرد ذاته، فبقدر ما ننجح في بناء إنسان واعٍ، متزن، وراسخ القيم، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لدولة قوية، قادرة على الصمود والبناء، مهما تعددت التحديات وتغيرت أشكال الحروب وأدواتها.

_____

أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة