يعيش العامل الفلسطيني في الآونة الأخيرة واحدة من أقسى وأعنف المراحل على الإطلاق، متأثرا بتداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 7 أكتوبر، وفي خضم هذه الأزمة المعقدة تبرز قضية العمال الفلسطينيين كأحد أهم الملفات التي تستخدمها حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف كأداة للعقاب الجماعي والابتزاز الممنهج، وقد تجاوزت الإجراءات الإسرائيلية حدود المنع من العمل أو التضييق على الحواجز، لتصل إلى التلويح بمخططات غير مسبوقة في تاريخ العمل النقابي والحقوقي العالمي، وعلى رأسها التوجه لإنشاء سجن مخصص حصريا للعمال الفلسطينيين.
كشف شاهر سعد الأمين العام للاتحاد العام لـ نقابات عمال فلسطين، عن مخطط يقوده وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، يهدف إلى إنشاء سجن خاص ومعسكر اعتقال مكرس فقط لاحتجاز العمال الفلسطينيين، مؤكدا أن هذا المشروع، يعد سابقة خطيرة في انتهاك حقوق الإنسان والمواثيق الدولية للعمل، يقع جغرافيا في المنطقة الممتدة بين مدينتي أسدود وعسقلان بالداخل المحتل.
وأوضح سعد أن هذا المخطط لا يقتصر على كونه إجراء أمنيا تعسفيا، بل يتعداه ليكون استعراضا سياسيا وحشيا؛ إذ تتضمن الخطط المسربة والمقترحات التي يتفاخر بها الوزير الإسرائيلى استخدام وسائل ترهيبية غير مألوفة، وصلت إلى حد اقتراح استخدام "التماسيح" كجزء من منظومة الحراسة المحيطة بهذا السجن، في محاولة صريحة لفرض الرعب النفسي والجسدي على العمال الذين لا ذنب لهم سوى البحث عن لقمة عيشهم لإعالة أسرهم.
وأكد الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين أن هذا السلوك يعكس "عقلية العصابات" التي تسيطر على مفاصل الحكومة الإسرائيلية الحالية، حيث يسعى أقطاب اليمين المتطرف لرفع شعبيتهم الانتخابية وإرضاء قواعدهم من المستوطنين على حساب دماء وكرامة العامل الفلسطيني، ولفت إلى أن الاتحاد لم يقف مكتوف الأيدي حيال هذه التهديدات، بل سارع إلى رفع شكوى رسمية وموثقة إلى منظمة العمل الدولية في جنيف، محذرا من التداعيات الكارثية لهذا المخطط إذا ما دخل حيز التنفيذ، والذي تتوقع المصادر النقابية أن تحاول إسرائيل افتتاحه بالتزامن مع الأول من مايو، أى فى عيد العمال العالمى، في مفارقة تحمل الكثير من الاستفزاز للحركة النقابية العالمية.
وأوضح سعد، واقع العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل والمستوطنات قبل وبعد السابع من أكتوبر، وأشار إلى أن الاقتصاد الفلسطيني كان يعتمد بشكل كبير على الحوالات المالية والأجور التي يضخها العمال، حيث كانت الإحصائيات الرسمية الفلسطينية تتحدث عن نحو 140 إلى 150 ألف عامل قبل اندلاع الحرب، منهم حوالي 125 ألفا يحملون تصاريح عمل رسمية تضمن لهم حقوقا أساسية مثل التأمين الصحي وتأمين إصابات العمل ونهاية الخدمة، وفي المقابل، كانت البنوك المركزية الإسرائيلية تقدر العدد الفعلي بما يشمل العمالة غير المنظمة بنحو 245 ألف عامل.
وأضاف: أما اليوم، فقد انهارت هذه الأرقام، إذ لا يتجاوز عدد العمال الفلسطينيين الذين يعملون بتصاريح رسمية داخل الخط الأخضر حاجز الـ 9,500 عامل، بعد أن كان هذا الرقم في بداية الحرب يتأرجح بين 15 و16 ألفا، مشيرا إلى وجود شريحة أخرى تضم ما بين 40 إلى 44 ألف عامل فلسطيني ما زالوا يعملون داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، معظمهم يحملون تصاريح دخول.
ورغم قرارات المنع الرسمية، إلا أن الحاجة الإسرائيلية الماسة للأيدي العاملة، بالتوازي مع حاجة الفلسطينيين لتوفير قوت يومهم في ظل رواتب متقطعة وظروف اقتصادية خانقة، أدت إلى نشوء سوق عمل مواز؛ حيث تقدر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ذاتها وجود ما لا يقل عن 50 ألف عامل فلسطيني تمكنوا من الدخول إلى الداخل المحتل بطرق غير رسمية، ويعملون حاليا بدون تصاريح عمل قانونية تحميهم من الاستغلال.
حملات الاعتقال الواسعة
وتطرق سعد إلى الملاحقة اليومية وحملات الاعتقال الشرسة التي تشنها الشرطة الإسرائيلية وأجهزة الأمن بحق العمال الفلسطينيين، ووفقا للاعترافات الصادرة عن الشرطة الإسرائيلية نفسها، فقد تم اعتقال ما بين 35 إلى 40 ألف عامل فلسطيني منذ بداية العدوان، قائلا: إن هذه الاعتقالات لا تنتهي بمجرد الاحتجاز، بل تتحول إلى أداة للابتزاز المالي الممنهج؛ حيث يتم فرض غرامات مالية طائلة ومجحفة على العمال المعتقلين تتراوح ما بين 10 آلاف ووصلت في بعض الحالات الموثقة إلى 40 ألف شيكل للعامل الواحد، ومن لا يستطيع الدفع يزج به في المعتقلات الإسرائيلية لأشهر عدة، في ظروف احتجاز قاسية، وقد برز هذا جليا عندما تم الإفراج عن عدد من هؤلاء العمال ضمن صفقات تبادل الأسرى الأخيرة.
ولفت إلى تعرض العامل الفلسطيني لعمليات ابتزاز واستغلال بشعة من قبل شبكات التهريب والعصابات التي تنشط على الحواجز والفتحات في الجدار الفاصل، وأوضح سعد أن هناك تواطؤا واضحا يمتد من بعض المسؤولين في الحواجز الأمنية الإسرائيلية وصولا إلى السائقين وسماسرة التهريب، حيث يجبر العامل على دفع مبالغ تتراوح بين 500 و1,000 شيكل (بمتوسط 700 شيكل) لمجرد تأمين دخوله.
وفي كثير من الأحيان، تقوم هذه الشبكات بعمليات نصب واحتيال، حيث يتم تقاضي الأموال من العمال ثم الإبلاغ عنهم للشرطة الإسرائيلية ليتم اعتقالهم ومصادرة أموالهم، مما يضاعف من حجم المأساة، وفي هذا الصدد، وجه سعد نداء حذرا للعمال بضرورة توخي أقصى درجات الحيطة وعدم الوقوع فريسة لهؤلاء السماسرة.
فشل ذريع لخيار العمالة الأجنبية البديلة
واستطرد: لجأت الحكومة الإسرائيلية وحكومة اليمين المتطرف إلى فتح باب استجلاب العمالة الأجنبية من دول مثل الهند وتايلاند وسريلانكا وغيرها، في محاولة منها للضغط على الاقتصاد الفلسطيني والاستغناء عن العامل الفلسطيني، إلا أن هذا الخيار قد مني بفشل ذريع، خاصة في قطاع الإنشاءات والبناء الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي.
وأوضح الأمين العام، أن العامل الفلسطيني يتمتع بخبرة ومهارة متراكمة لا يمكن للعامل الآسيوي تعويضها بسهولة، وعلى إثر ذلك، يضغط اتحاد المقاولين والمتعهدين الإسرائيليين بشكل متواصل على حكومتهم، مؤكدين حاجتهم الفورية والماسة لنحو 200 ألف عامل فلسطيني لإنقاذ قطاع البناء من الشلل التام.
كما كشف سعد عن وجود قضايا فساد وسمسرة ترافق جلب العمالة الأجنبية؛ حيث تفرض القوانين الإسرائيلية دفع الحد الأدنى للأجور (حوالي 5,600 شيكل)، إلا أن العمال الأجانب لا يتلقون سوى جزء يسير من هذا المبلغ (نحو 700 إلى 1,000 دولار)، بينما تذهب بقية الأموال إلى جيوب السماسرة والجهات الوسيطة، هذا الاستغلال دفع العديد من العمال الأجانب، وخاصة الهنود، إلى الهروب من ورش البناء والتوجه للعمل في قطاعات الصناعة والزراعة، مما أثبت فشل الخطة الإسرائيلية في إيجاد بديل عملي وكفء للعامل الفلسطيني.
وأكد شاهر سعد أن المعركة النقابية انتقلت بقوة إلى المحافل القانونية الدولية، فقد تبنى الاتحاد الدولي للنقابات المهنية، وبناء على ملفات وكشوفات دقيقة قدمتها وزارة العمل واتحاد نقابات عمال فلسطين، رفع دعوى قضائية رسمية ضد الحكومة الإسرائيلية أمام مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في جنيف.
وتهدف هذه الدعوى إلى إلزام إسرائيل بدفع التعويضات والأجور المتأخرة للعمال الفلسطينيين الذين منعوا من الوصول لأماكن عملهم، إضافة إلى تفعيل حقوقهم المتعلقة بنهاية الخدمة وتأمين إصابات العمل، وكشف سعد أن إسرائيل حاولت المناورة والمماطلة خلال جلسات التفاوض المبدئية، حيث اقترحت تطبيق آلية الدفع على عينة تجريبية لا تتجاوز 20 عاملا لتقييم الوضع، وهو اقتراح قوبل برفض قاطع من قبل الاتحادات الدولية والفلسطينية التي أصرت على شمولية القرار لجميع العمال المسجلين قانونيا.
وتوقع سعد أن تشهد نهاية شهر مارس المقبل تطورات حاسمة في هذا الملف قد تؤدي إلى إدانة صريحة لإسرائيل وإلزامها بالدفع، أو مواجهة إجراءات وعقوبات تتعلق بالمقاطعة الدولية لانتهاكها دستور منظمة العمل الدولية.
وفي السياق ذاته، انتقد سعد بشدة موقف اتحاد نقابات العمال الإسرائيلي (الهستدروت)، متهما إياه بالتواطؤ التام مع سياسات الحكومة اليمينية وعدم اتخاذ أي موقف مهني أو حقوقي للدفاع عن العمال الفلسطينيين الذين تنتهك حقوقهم بشكل يومي، لافتا إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بمصادقة أمير دولة قطر على الاتفاقية الثنائية لتنظيم استخدام العمال الفلسطينيين، وهي اتفاقية قديمة تم تفعيلها مؤخرا، وأوضح أنه يجري العمل حاليا على تشكيل لجنة فنية ثلاثية تضم وزارة العمل، واتحاد نقابات العمال، واتحاد الغرف التجارية، لإدارة هذا الملف عبر منصة التشغيل الرسمية التي أطلقتها الحكومة.
وأشار سعد إلى أرقام كارثية تتمثل في وجود نحو 550 ألف عاطل عن العمل في الأراضي الفلسطينية، مقسمين بين نسبة بطالة تبلغ 40% في الضفة الغربية، وتصل إلى مستوى خيالي يقدر ب 85% في قطاع غزة، الذي يضم وحده أكثر من 300 ألف عامل يبحثون عن فرصة للنجاة.
وحذر سعد من المخططات والتصريحات الدولية، لا سيما تلك الصادرة عن شخصيات أمريكية مثل جاريد كوشنر، والتي تلمح إلى جلب شركات متعددة الجنسيات لإعادة إعمار قطاع غزة بعد انتهاء العدوان. وشدد سعد بلهجة حاسمة على أن الاتحاد وجه رسالة رسمية لمنظمة العمل الدولية لمطالبة الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي بمنع دخول أي عمالة أجنبية إلى قطاع غزة بهدف الإعمار. وأكد أن الشعب الفلسطيني، وعمال غزة على وجه الخصوص، هم الأحق والأولى بإعادة بناء مدنهم ومخيماتهم التي دمرت، وأن أي محاولة لتهميش الأيدي العاملة الفلسطينية في مشاريع الإعمار المستقبلية ستعتبر استكمالا للمؤامرة الاقتصادية والسياسية على الشعب الفلسطيني.
ووجه الأمين العام شاهر سعد مناشدة وطنية عاجلة، متسائلا باستنكار عن دور أثرياء فلسطين ورجال الأعمال الفلسطينيين المغتربين، الذين ساهموا في بناء ونهضة دول بأكملها من الخليج إلى الأمريكيتين، ويمتلكون رؤوس أموال ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، ودعا هؤلاء الأثرياء، إلى جانب الصناديق الاستثمارية العربية، إلى توجيه بوصلة استثماراتهم نحو الأراضي الفلسطينية، وأكد أن بيئة الاستثمار الفلسطينية تمتلك قوانين محفزة وجاذبة، وأن ضخ هذه الأموال في مشاريع إنتاجية وصناعية وزراعية محلية هو السبيل الوحيد لخلق مئات الآلاف من فرص العمل التي يستحيل على الحكومة الفلسطينية توفيرها بمفردها في المدى المنظور.