أحمد طنطاوى

المنظومة السيميائية لعتبات النص.. العنوان ولوحة الغلاف

الثلاثاء، 06 يناير 2026 09:00 ص


"عتبات النص"، أو "هوامش النص"، أو "النص الموازى". هو نص "صغير" يضعه المبدع فى وجه المتلقى قبل ولوجه إلى ساحة العمل كاستفتاح سردى ذى مستوى موازٍ، يثير أسئلة وانطباعات أولية تجيب عنها الرواية فى ثناياها، كما أن لها وظيفة جمالية غير منكورة كما يقول عبد المجيد الحسيب في كتابه "حوارية الفن الروائى" أن وظيفته الأساسية دلالية تساعد على فهم العمل، فضلا عن قيمته الجمالية المتمثلة فى استقطاب القارئ واستغوائه، ويأتى بعدة أشكال، منها: العناوين، والمقدمات والذيول (الهوامش) والصور، وكلمات الناشر، وكل ما يتعلق بالمظهر الخارجى للنص. وقد أولت الأبحاث والدراسات الغربية اهتمامًا ملحوظا بهذه العتبات لدورها الكبير فى مقاربة النص ووصفه، فهى من المفاهيم شديدة الحداثة التى اشتغلت بها الشعرية الغربية وما بعد البنيوية والسيمائية النصية، واعتبرته مدخلا أساسيًا للعمل لا يمكن أن تتم العملية النقدية السالمة من الثغرات المنهجية بدونه، كما كثرت الأبحاث العربية عنها مؤخرا.


وتظهر الرواية العربية ـ جديدة وتقليدية ـ اهتماما كبيرا بهذا "النص الصغير" بأشكاله المختلفة فمنه ما يتصدر المتن ومنه ما تخلله كنص مستقل أو رسوم، هذا ـ طبعا ـ بخلاف العناوين العامة والداخلية، ولوحات الغلاف، لكن تحوز العتبات المتصدرة للنص الرئيس الاهتمام المركزى من دراسى هذا الشكل التقنى من أشكال بناء السرد، فالعنوان العام ولوحة الغلاف يشكلان "سلطة النص ووجهته الإعلامية" كما يقول طارق شلبى في كتابه "نجيب محفوظ.. في التحليل اللغوى للنص"، بل إن طه وادى ـ في كتابه القصة بين التراث والمعاصرة ـ يرى أنه كثيرا ما تساوى دلالته دلالة النص كله، ولهذا فهو آخر أركانه تثبيتا، فدوما يظل محل نظر ومراجعة حتى قبل الطبع بلحظة، وتأتى هذه العناوين على أنماط عدة، منها ما يطابق شكل العنوان الحديث المكوّن من جملة ناقصة الإسناد ـ اسمية مبتدؤها محذوف ـ لقدح فضول المتلقى وإغرائه بالقراءة، أو العناوين الكاملة التي تشكل مفتاحا يشى بمضمون العمل، وغيرها.


أما لوحة الغلاف فهى عتبات معينة تم اختيارها بوعى تنطوى على دلالات سيمائية ودلالية تتفتح بالقراءة، كما يقول عبد الرحيم مراشدة فى مقال له بعنوان: الغرائبية والعجائبية فى رواية الإسكندرية 2050، فهذه العتبة تعبر عن شخوص أو حدث أو مكان، فهى تشارك العنوان الرئيسى مسئولية الإغراء بالقراءة بألوانها وخطوطها الجذابة، ومن ثمّ فالأغلفة المحايدة أو التجريدية ليست إلا هدرا للطاقة التأثيرية التى تملكها هذه العتبة بقدرتها على وضع القارئ ـ منذ الوهلة الأولى ـ فى جو العمل الافتراضى. فتثير خياله، وتأتى الطبعات الأولى لثلاثية نجيب محفوظ (السكرية وبين القصرين وقصر الشوق) كمثال لنجاح هذه العتبة ـ مع العنوان ـ في تكثيف الدلالات المرتبطة بالواقع الاجتماعى والثقافى لمصر مطلع القرن العشرين، فهى ناحجة في هضمها وإعادة تمثيليها، وهو ما لم يرع ـ للأسف ـ فيما تلاها من طبعات افتقدت هذا الربط عندما اعتمدت أكثر على "اسم المؤلف" فى توجيه أفق توقعات المتلقى.


لكن هذه العتبة تواجهها بعض المشاكل المعيقة لحملها الدلالى، منها مثلا تعدد أغلفة بعض الأعمال لتعدد الطبعات أو وجود عدد من الأغلفة كتجارب غير المنشورة على شبكة المعلومات الدولية، كذلك ما تعانيه معظم هذه العتبات من ضعف تعلقها بمضمون العمل، بل أحيانا تكون منبتة الصلة به من الأساس، ويبدو ذلك مبررا، كون مصممى الأغلفة يتبعون الفكرة المجملة أو بالأحرى المجتزأة للسرد، والمستقاة من عنوانه العام، وإن أرادوا شيئا من التعمق فإنهم يمرون عليه بعجالة، أو يناقشون كاتبه حوله نقاشا مختزلا، حتى أننا نرى ـ أحيانا ـ نزوعا إلى ملامح بيئة أجنبية فى عمل محلى كما ظهر على غلاف رواية "عطش الصبار" وغلاف الطبعة الأولى للجزيرة البيضاء للروائى المصرى الراحل يوسف أبورية، فالأول احتوى بيوتا قليلة ذات طراز أوروبى وسط نباتات فوضوية طويلة، والثانى (الطبعة الأولى من القطع المتوسط الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة 2001) جاء ببيوت وطاحونة أوروبية الطراز وسط مزارع وتلال منبسطة مكسوة بالخضرة، هذه الأغلفة قد تكون نتاج شطحات الرسامين وخيالهم "التجارى" الحاكم لاختياراتهم، لكنها أيضا قد تشير ـ بموافقة الكاتب الضمنية عليها ـ إلى أن عينه كانت موضوعة على المستشرقين، وحركة الترجمة الغربية النشطة، خاصة للأعمال ذات الحمل الفلكلورى الغنى التى تحظى بقدر أكبر من الاهتمام، مع العلم أن هذا النزوع الأجنبي في لوحة الغلاف قد يبدو مقبولا عند ترجمة العمل إلى لغة أخرى


وقد ينعدم الربط تماما بين الرسم ومضمون العمل كما فى بعض إصدارات النشر الحكومى (المجلس الأعلى للثقافة ومشروع مكتبة الأسرة)، حيث يتم استغلال مساحة الغلاف لنشر بعض أعمال الفن التشكيلى للرسامين المصريين، بالاتفاق مع قطاع الفنون التشكيلية ومتحف الفن المصرى، هنا فهذه العتبة ملغاة بشكل كلى، بل إنها قد تلعب دورا سلبيا يصرف لمتلقى عن العمل عندما يرى غلافا فى وادٍ وعنوانا فة وادٍ آخر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة