ناهد صلاح

بين هوليوود وفنزويلا.. كيف تُصنع الحروب في غرفة المونتاج الأمريكية؟

الإثنين، 05 يناير 2026 08:37 ص


في السياسة الدولية، نادرًا ما تبدأ الحروب بالرصاص. غالبًا ما تبدأ بصورة، أو بحكاية، أو بما يشبه سيناريو سينمائي مُحكم البناء. ما شهدته فنزويلا خلال العقود الأخيرة، وما تتعرض له اليوم، لا يمكن فهمه فقط باعتباره صراعًا على النفط أو النفوذ الجيوسياسي، بل بوصفه معركة سرديات تُدار بأدوات بصرية وإعلامية تشبه إلى حد بعيد أدوات السينما لفهم ما يحدث في كاراكاس، لا يكفي أن نتابع نشرات الأخبار، بل يجب أن ننظر إلى الطريقة التي صُوّرت بها فنزويلا على الشاشات قبل أن تصبح أزمة مكتملة.

منذ عقود، عملت السينما الأمريكية بوصفها إحدى أكثر أدوات "القوة الناعمة" فاعلية في تمهيد الرأي العام للسياسات الخارجية. ليست المسألة مؤامرة بالمعنى الساذج، بل آلية متكررة: قبل أي تدخل أو حصار، يجب أولًا بناء صورة ذهنية لدولة ما باعتبارها فاشلة، خطِرة، أو خارجة عن النظام العالمي. في هذا السياق، تظهر فنزويلا في أعمال تلفزيونية وسينمائية معاصرة كفضاء للفوضى، تحكمه شخصيات كاريكاتورية من الطغاة، وتعيش شعوبه في انتظار "المنقذ" القادم من الخارج. هكذا تصبح فكرة التدخل، أو حتى التجويع الاقتصادي، مقبولة أخلاقيًا لدى المشاهد الغربي، في تجسيد عملي لما وصفه نعوم تشومسكي بـ"صناعة الموافقة".

فى المقابل، تكشف السينما اللاتينية عن صورة مغايرة تمامًا للدولة "المنبوذة". منذ ستينيات القرن الماضي، ظهرت في أمريكا اللاتينية حركة السينما الثالثة، التي رفضت منطق البطل الفردي والسرد الاستعماري، وقدّمت السينما بوصفها أداة وعي ومقاومة. أفلام مثل The Hour of the Furnaces للأرجنتيني فرناندو سولاناس لم تكن تحكي عن "الفوضى"، بل عن آليات الهيمنة نفسها، واضعة الكاميرا في مواجهة السلطة بدل أن تكون خادمة لها. هذه السينما لم تسأل: لماذا تفشل الدول؟ بل: من يصنع شروط هذا الفشل؟.

اللافت أن السينما الأمريكية نفسها سبق أن كشفت هذه الآلية. فيلم Wag the Dog/ هز ديل الكلب (1997) إخراج باري ليفنسون، لم يكن مجرد كوميديا سوداء، بل تشريحًا مبكرًا لفكرة اختراع حرب كاملة داخل استوديو تصوير، باستخدام ممثلين ومؤثرات بصرية، بهدف توجيه الرأي العام. (إنه ما حدث في العراق بالضبط).. بعد سنوات، بدا وكأن فنزويلا تعيش نسخة واقعية من هذا الفيلم: تضخيم أحداث، تجاهل أخرى، وصناعة انطباع عن "ثورة شعبية" مُوحّدة، لا تعكس دائمًا تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي على الأرض. هنا لا تعود السينما مجرد استعارة، بل تصبح نموذجًا ذهنيًا لإدارة الصراع.

تتجلى هذه العلاقة بين الصورة والسلطة بوضوح في انقلاب عام 2002 الفاشل ضد هوجو تشافيز، وهي لحظة وثّقها الفيلم الأيرلندي The Revolution Will Not Be Televised. (2003) إخراج كيم بارلي ودوناكا أوبريان، هو فيلم وثائقي أيرلندي من عام 2003، تابع  الأحداث من داخل القصر الرئاسي خلال المحاولة الفاشلة، وكشف كيف قام الإعلام المعارض بدور رئيسي في الأحداث وكيف استعاد تشافيز السلطة بدعم من أنصاره والجيش، ما كشفه الوثائقي لم يكن فقط محاولة انقلاب، بل كيفية استخدام المونتاج كسلاح. لقطات بُثّت حينها لمؤيدين لتشافيز وهم يطلقون النار، قُدّمت باعتبارها دليلًا على قمع دموي، بينما أظهرت زوايا كاميرات أخرى أنهم كانوا يردون على نيران قناصة في شوارع خالية من المتظاهرين. لم يكن الخداع في الحدث، بل في اختيار الكادر. من يملك زاوية الكاميرا، يملك الحقيقة.

هذا الوعي بالزاوية والكادر ليس جديدًا على السينما اللاتينية. في أفلام تشيلية مثل No (2012) لبابلو لارّائين، نرى كيف يمكن للإعلان والصورة أن تُستخدم حتى داخل معركة ديمقراطية، وكيف تتحول السياسة نفسها إلى منتج بصري. أما في الأرجنتين، فقد قدّم فيلم Garage Olimpo للمخرج الإيطالي ماركو بيشيز، الحائز على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1999، قدم صورة مرعبة لكيفية تطبيع العنف عبر الإخفاء البصري، حيث يصبح ما لا يُرى أخطر مما يُعرض. هذه الأفلام لا تُجمّل الواقع، لكنها تفضح آليات السيطرة عليه.

مع دخول العقد الثالث من الألفية، لم تعد أدوات هذا التلاعب حكرًا على شاشات التلفزيون الكبرى. انتقلت "غرفة المونتاج" إلى الهاتف المحمول. الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق جعلت من الممكن إنتاج فيديوهات لانشقاقات وهمية أو تصريحات مختلقة خلال دقائق، تُنشر بهدف خلق شعور بالانهيار النفسي واليأس الجماعي. في الوقت نفسه، تلعب الخوارزميات دور المخرج الخفي: آلاف الحسابات الوهمية، وما يُعرف بـAstroturfing أو التسويق الماكر، كلها تصنع وهم الإجماع العالمي. لم تعد المعركة في شوارع كاراكاس فقط، بل في "غرف الصدى" الرقمية، حيث يُقرر ما يُرى وما يُحجب، في مشهد يذكّر بعالم The Truman Show، الدراما النفسية الأمريكية التي أخرجها  بيتر وير في العام 1998.  حين كانت الشمس تشرق وتغرب بقرار من خارج الكادر.

حتى الاقتصاد، أكثر عناصر الواقع قسوة، جرى التعامل معه كأداة درامية. العقوبات الخانقة تُقدَّم للجمهور العالمي كخلفية طبيعية لفشل داخلي، بينما تُخفى اليد التي تشد الخناق. هذا المنطق سبق أن فضحته أفلام وأعمال وثائقية مستوحاة من أفكار  نعومي كلاين، صحفية سياسية وكاتبة ومؤلفة أفلام تسجيلية كندية، "عقيدة الصدمة"، حيث تُستخدم الأزمات لإعادة تشكيل المجتمعات قسرًا، ثم يُعرض "الإنقاذ" بوصفه الحل الوحيد. في هذا السياق، يصبح الجوع مشهدًا، والفقر حبكة، والاقتصاد نوعًا من سينما الأكشن البطيئة.

السينما اللاتينية، مرة أخرى، قدّمت قراءة إنسانية لهذه الانهيارات بعيدًا عن الاستعراض. في الفيلم البرازيلي City of God، إخراج فرناندو ميريليس ،
لا تُستخدم الفوضى لتبرير التدخل، بل لفهم كيف تُنتجها بنية اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد. وفي السينما الفنزويلية نفسها، تحاول أفلام مستقلة قليلة الإمكانيات توثيق الحياة اليومية، مؤكدة أن ما يُختزل في الأخبار كأزمة، هو في الواقع مجتمع حي يحاول البقاء.

لكن، وكما علمتنا السينما نفسها، لا يظل المشاهد ساذجًا إلى الأبد. في مقابل هذه السرديات، ظهرت أفلام وثائقية ورؤى مضادة – مثل South of the Border –  وثائقي شهير للمخرج أوليفر ستون صدر عام 2009، يستكشف الحركات السياسية والاجتماعية في أمريكا اللاتينية من خلال مقابلات مع سبعة رؤساء منتخبين، أبرزهم هوجو تشافيز وإيفو موراليس، ويقدم رؤية بديلة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، توجد أيضاً أفلام وثائقية أخرى تحمل نفس الاسم في سنوات مختلفة مثل فيلم لديفيد برادبري عام 1987. وهي عموما أفلام حاولت تفكيك الصورة الجاهزة، وإعادة الاعتبار لأصوات مغيبة. هنا تستعيد السينما دورها الآخر: لا كأداة تضليل، بل كوسيلة مقاومة، وذاكرة بديلة.

تجربة فنزويلا تطرح درسًا يتجاوز حدودها الجغرافية: المعركة الحقيقية في عصرنا ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. الصورة لم تعد انعكاسًا للواقع، بل إحدى ساحات الصراع الأساسية. بينما تحاول أمريكا تحويل بلد كامل إلى فيلم هوليوودي من الدرجة الثانية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن كسر العدسة؟ ربما يكون الجواب في يد من يمتلكون الكاميرا خارج الاستوديو، وفي قدرة الشعوب على استعادة روايتها الخاصة، بعيدًا عن مقص المونتاج.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة