عقد مجلس الوزراء اجتماعه مساء يوم 3 يناير، مثل هذا اليوم،1954، وبالرغم من أن الخلافات بين اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية وباقي أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو كانت هي القضية التي تشغل الجميع، إلا أن تصرفات السفير التركي "فؤاد طوغاي" المسيئة لمصر فرضت نفسها علي الاجتماع، حسبما يذكر عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة ثورة يوليو وأحد قياداتها البارزين في الجزء الأول من مذكراته.
كان "طوغاي" سفيرا لتركيا في مصر منذ عام 1951، ويذكر بغدادي: "في هذا اليوم أيضًا أبلغنا جمال عبدالناصر "نائب رئيس الوزراء" أن سفير تركيا في مصر أهانه في اليوم السابق أثناء حفلة في دار الأوبرا، وأن الإهانة حدثت على مسمع من السفير الهندي ووزير السويد المفوض، وأن الذي حدث هو أنه عندما كان جمال يحيى السفير التركي بقوله له "هالو" رد عليه، قائلاً: "إنكم لا تتصرفون كالرجال المهذبين You don't behave as gentlemen وزاد علي ذلك بقوله، إننا لن نكون أصدقاء بعد اليوم"، وكان ذلك بصوت مرتفع من السفير على مسمع من الموجودين، وحاول الوزير السويدي إنقاذ الموقف فتدخل بتقديم نفسه إلى جمال حتى ينهي المسألة."
يكشف "بغدادي"، أن الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية عرض مذكرة علي الاجتماع لإرسالها إلى الحكومة التركية وإبلاغها بما حدث من تصرف سفيرها وطلب سحبه فورًا"، ويؤكد بغدادي، أن المذكرة جاء فيها أيضًا واقعة أخرى حدثت من نفس السفير في حفلة توديعه أقامتها له السفارة التركية بمناسبة نقله من القاهرة، وكان سفير الصين مدعوا بها ولما قام بتحية السفير التركي بقوله: "عسى أن نراك قريبًا هنا ثانية في القاهرة"، فما كان منه إلا أن رد عليه بقوله: "لن تراني هنا ثانية في هذا المكان القذر"، وقد رئي أن يعامل السفير التركي عند سفره ومغادرة أرض البلاد معاملة الأفراد العاديين وأن يفتش بالجمرك."
أصدرت الحكومة المصرية بيانا في اليوم الثاني للاجتماع "4 يناير"، قالت فيه: "لا يمكن التغاضي عن موقف السيد "فؤاد طوغاي" سفير تركيا لدي القاهرة تجاه الحكومة المصرية، وكذلك بسبب الحديث الذي دار بينه وبين البكباشي جمال عبدالناصر نائب رئيس الوزراء، مما أدي بالحكومة المصرية إلي عده شخصا غير مرغوب فيه، ولابد من مغادرته البلاد خلال أربع وعشرون ساعة، وكشفت صحيفة "الأهرام" القصة كاملة في عددها يوم "5 يناير 1954"، وأفردتها علي 8 أعمدة بالصفحة الأولي، وأرجعت الطرد الي حملات "طوغاي" المستمرة علي قادة ثورة 23 يوليو 1952، وتوجيهه ألفاظا نابية إلي جمال عبد الناصر، نائب رئيس الوزراء.
وشرحت "الأهرام" تفاصل ما حدث، قائلة: "أنه لمناسبة افتتاح وزارة الإرشاد لموسم دار الأوبرا، دخل البكباشي جمال عبدالناصر فصافح السفير الهندي، ثم أبصر السيد طوغاي في أحد أركان الغرفة، فحياه: "هالو"، لكن "طوغاي" بدلا من رد التحية، وجه إلي جمال بصوت عال، عبارات أقل ما توصف به أنها لا يمكن أن تصدر من شخص مسئول، فضلا عن ممثل دبلوماسي مفروض فيه الكياسة التامة في الحديث، وأول واجباته التزام الحدود."
وتضيف "الأهرام": "السفير قال لجمال عبدالناصر: "تصرفاتكم ليست تصرفات جنتلمان، ولن تكون هناك أية صداقة بيننا وبينكم"، فلم يشأ عبدالناصر الرد عليه بل أكتفي بأن أدار ظهره في هدوء، وواصل حديثه مع سفير الهند ووزير السويد المفوض"، وتضيف "الأهرام"، أن " طوغاي" لم يكتف بذلك، بل زاد بوصف لمصر بأنها "بلد قذر" أيضا، فاحتدمت الأحوال وتوترت أكثر."
أخذت المسألة بعدا شعبيا غاضبا مما فعله "طوغاي"، ونشرت "الأهرام" أن مواطنا مصريا بعث برقية إلي "السفير" الطريد يطالبه فيها بمبارزته ردا علي الألفاظ النابية التي وجهت الي مصر ورجال الحكومة فيها، وتكشف الدكتورة عواطف عبد الرحمن في كتابها "المسكوت عنه في مصر المحروسة"، أن خالها هو صاحب هذه البرقية، وتكشف: "كانت أمي بهية فهمي تحدثني عن شقيقها الطيار محمد فهمي الذي أوي السادات أثناء هروبه من المحاكمة في قضية مقتل أمين عثمان في الأربعينيات "القرن الماضي"، وكانت تذكرني دوما مواقف شقيقها الوطنية وشجاعته في دفاعه عن كرامة مصر وعن عبدالناصر ، وخاصة عندما أعلن استعداده لمبارزة السفير التركي ردا علي الإهانة التي وجهها إلي جمال عبد الناصر عندما قابله في أحد الاحتفالات."
وتذكر مجلة "آخر ساعة" في عددها 1003، الصادر يوم 13 يناير 1954 أن هناك من يحلل أسباب خروج السفير التركي من مصر بأنه "رجل عصبي، وأن عصبيته هي التي أوقعته في هذه المشكلة، وأفقدته كثيرا من الاحترام، والبعض الآخر قال ضاحكا أن فقدانه لأعصابه ثم ألفاظ الحواري والأزقة التي كان يستعملها، والتي هي أبعد ما تكون عن برنامج الرجل الدبلوماسي هي التي اضطرت الحكومة المصرية إلي أن تعامله كشخص عادي وتخرجه من الأراضي المصرية."