دراسة للمركز المصرى تبرز التجربة المصرية لحماية المنظمات الأهلية من محاولة اختراق الإرهابية لتحقيق أهداف غير مشروعة.. حاولت اختراق العمل الخيري كوسيلة لتعزيز النفوذ السياسي.. والدولة أصدرت تشريعات وشددت الرقابة

الإثنين، 05 يناير 2026 12:00 ص
دراسة للمركز المصرى تبرز التجربة المصرية لحماية المنظمات الأهلية من محاولة اختراق الإرهابية لتحقيق أهداف غير مشروعة.. حاولت اختراق العمل الخيري كوسيلة لتعزيز النفوذ السياسي.. والدولة أصدرت تشريعات وشددت الرقابة التحالف الوطنى للعمل الاهلى التنموى

كتب محمد عبد الرازق

رصدت دراسة للمركز المصرى للفكر و الدراسات الاستراتيجية للباحثة هاجر أيمن التجربة المصرية في حماية العمل الخيري، في مواجهه الاستغلال أو الاختراق من قبل التنظيمات الإرهابية أو الجهات التي قد توظفه لتحقيق أجندات غير مشروعة.


حيث تعد الجمعيات الخيرية أحد أبرز مكونات المجتمع المدني، وهي مؤسسات غير ربحية تنشأ بهدف تقديم الدعم والمعونة للفئات الأكثر احتياجًا في المجتمع، وتعتمد في تمويل أنشطتها على التبرعات الفردية والمؤسسية. وتتمثل أهدافها الأساسية في تعزيز التماسك والتضامن الاجتماعي، وتحقيق التنمية المستدامة، والارتقاء بمستوى معيشة الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة في ظل الأزمات والكوارث.


 

التجربة المصرية في حماية العمل الخيري

وأكدت الدراسة أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا بالغًا للعمل الخيري كونه أحد الأعمدة الأساسية للتنمية المجتمعية، وشريكًا رئيسيًا في دعم جهود وسياسات الدولة في تقديم الدعم والرعاية للفئات الأكثر احتياجًا ، وقد حرصت الدولة على تهيئة بيئة تشريعية وتنظيمية تعزز دوره، مع السعي في الوقت نفسه لحمايته من الاستغلال أو الاختراق من قبل التنظيمات الإرهابية أو الجهات التي قد توظفه لتحقيق أجندات غير مشروعة.

وأشارت الدراسة إلي أنه يبرز هذا الاهتمام في امتداد جذور العمل الأهلي بمصر إلى بدايات مبكرة من القرن التاسع عشر، فقد نشأت أول جمعية أهلية في مصر عام 1821 تحت اسم “الجمعية اليونانية بالإسكندرية”، وتلتها سلسلة من الجمعيات الأخرى ذات الطابع الثقافي مثل جمعية مصر للبحث في تاريخ الحضارة المصرية عام 1859، وغيرها، بالإضافة إلى جمعيات ذات طابع ديني وخيري مثل الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية عام 1881، وازدهرت الجمعيات الأهلية في مصر بشكل تدريجي، وارتفع عددها مع دستور 1923 الذي أقر في مادته رقم (30) حق المصريين في التجمع وتكوين الجمعيات؛ إذ بلغ عددها 159 جمعية بين 1900 و1924، قبل أن يرتفع إلى 633 جمعية خلال الفترة من 1925 إلى 1944؛ مما يعكس توسع النشاط الأهلي وأهميته المتزايدة في المجتمع المصري.

وأكملت أنه لم تكن عملية ترسيخ العمل الأهلي في مصر بمعزل عن محاولات الاختراق والتوظيف السياسي لتحقيق أهداف غير مشروعة، ويعد نشاط جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928 المثال الأبرز على هذا التوجه؛ إذ ربطت الجماعة بين الأنشطة المالية والخيرية وأهدافها الأيديولوجية، ففي منتصف الثلاثينيات، أسست الجماعة “صندوق الدعوة” عام 1935 لجمع التبرعات والزكاة، وألزمت أعضاءها بدفع اشتراكات شهرية باعتباره واجبًا دينيًا وتنظيميًا، كما أنشأت قسمًا خاصًا للخدمات الاجتماعية والخيرية، وهو ما مكنها من التغلغل داخل المجتمع وتوسيع نفوذها السياسي.

من جانب آخر، استخدمت الجماعة العمل الخيري كوسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والتنظيمي، أكثر من كونه عملًا إنسانيًا، وهو ما أشار إليه المؤرخ الرسمي للجماعة ونائب المرشد العام سابقًا “جمعة أمين” في كتابه أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين إلى أن حسن البنا كان حريصًا على تأمين مصادر التمويل، سواء من الدولة أو من تبرعات الأفراد. ففي المؤتمر الأول للجماعة عام 1934، تقدمت قيادة الإخوان بمطالب إلى الملك فؤاد لتوجيه المخصصات المالية الخاصة بالملاجئ إلى الجمعيات الإسلامية، وكان المقصود في الأساس هو جمعيات الإخوان أنفسهم؛ وهو ما أسس لتوجه ثابت لدى الجماعة، يقوم على صياغة مفهوم “العمل الخيري” باعتباره أداة للتغلغل المجتمعي والسيطرة السياسية، وليس لدعم المحتاجين.

 

الجماعة الإرهابية تستغل العمل الخيرى غطاء لتوسيع نفوذها

واستغلت الجماعة العمل الخيري أيضًا كغطاء لتوسيع نفوذها داخل المجتمع، عن طريق استراتيجيات “الاختراق، والتطويع، والتأسيس”. فقد قامت بتسلل عناصرها إلى مجالس إدارات الجمعيات القائمة، والتأثير على أنشطتها لتتوافق مع أهداف الجماعة، كما أسست جمعيات موازية بالكامل موجهة لصالحها.

وامتدت هذه الاستراتيجيات لتشمل اختراق الجمعيات الكبرى مثل الجمعية الشرعية؛ حيث نجحت في السيطرة على المجالس التنفيذية للمؤسسات، وتحويل منشوراتها ومشاريعها الخيرية إلى أدوات دعائية للجماعة، مثل مشروع كفالة الأيتام، الذي توسع ليغطي نحو 18 محافظة بحلول أوائل التسعينيات، مع استخدام المعاهد التدريبية التابعة لهذه الجمعيات لإعداد كوادر دعوية من عناصر الجماعة. كما استغلت الجماعة الأحداث السياسية والكوارث الطبيعية لتعزيز حضورها الخيري والدعوي، مثل زلزال 1992 وأزمات السيول في البحر الأحمر وسيناء خلال التسعينيات وعام 2012، لتقديم المساعدات الاجتماعية والصحية للفقراء؛ مما عزز شعبيتها وأتاح لها الفرصة للتجنيد واستقطاب عناصر جديدة.

 

الدولة تصدر قوانين للرقابة على العمل الاهلى

ومع تزايد هذه المخاطر، بدأت الدولة المصرية منذ الثمانينيات في تشديد الرقابة على العمل الأهلي، فصدرت عدة قوانين كان أبرزها قانون 84 لسنة 2002 لتنظيم الجمعيات الأهلية، بهدف ضبط التمويل الخارجي ومنع استغلال العمل الخيري كغطاء لتمويل الإرهاب أو دعم جماعات متطرفة. وقد شكل ذلك نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، اتجهت نحو تحقيق التوازن بين تمكين الجمعيات في أداء دورها التنموي، وضمان حماية الأمن القومي من أي محاولات للاختراق.

ومع أحداث يناير 2011، واجهت الدولة تحديات كبيرة فيما يخص توظيف بعض الجمعيات الخيرية كواجهات لتمويل أجندات سياسية متطرفة أو لدعم توجهات سياسية وأيديولوجية معادية للدولة. وقد دفع هذا الأمر الدولة المصرية إلى تبني نهج أكثر تنظيمًا في إدارة ملف العمل الخيري والأهلي، يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الأمن القومي من جهة، وضمان استمرار العمل الإنساني والتنموي للجمعيات الشرعية من جهة أخرى.

 

إعادة هيكلة العمل الاهلى في مصر

وعقب الحظر القضائي لجماعة الإخوان المسلمين في سبتمبر 2013، أعادت الدولة المصرية هيكلة المجال الأهلي والخيري عبر إجراءات شملت التحفظ على أصول وكيانات مرتبطة بالجماعة وحل الجمعيات المرتبطة بها، وشملت القرارات تجميد حسابات وحل أكثر من ألف جمعية وفرع اشتبه في ارتباطها بالجماعة، من بينها 138 فروع تابعة للجمعية الشرعية،غير أن الدولة لم تتعامل مع هذه الجمعيات بمنطق الإقصاء الكامل، بل أتاحت لها مراجعة أنشطتها والتوجه للقضاء لإثبات استقلاليتها عن التنظيمات المتطرفة.

ويعد موقف الجمعية الشرعية المثال الأبرز على كيفية استطاعة الدولة المصرية تحصين العمل الخيري من اختراقات الإرهاب؛ فعقب تجميد نشاط بعض فروعها، استجابت الجمعية لإجراءات الدولة في عملية التحصين، وقدمت ما يثبت التزامها بالعمل الدعوي والاجتماعي بعيدًا عن الأجندات السياسية والإرهابية. وبناء على ذلك، أصدر القضاء في 25 يونيو 2014 حكمًا بوقف تجميد أموال 132 فرعًا والعودة لممارسة أنشطتها الاجتماعية والخيرية بعد التأكد من استقلاليتها عن الإخوان.

وهو ما يعكس حرص الدولة على التفرقة بين الجمعيات التي شكلت واجهات للتنظيم، وتلك التي تمارس عملًا خيريًا مشروعًا، وبذلك أعيد التوازن بين مقتضيات الأمن القومي واستمرار النشاط الأهلي في مجالات الرعاية والتنمية. وهو ما أتاح فصل النشاط الخيري الشرعي عن التوظيف السياسي وأعاد التوازن بين متطلبات الأمن القومي واستمرار أنشطة الجمعيات الخيرية في مجالات التعليم والصحة والتنمية المجتمعية.

 

قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي

وفي خطوة أكبر نحو تنظيم العمل الأهلي بشكل شامل، أصدرت الدولة قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، الذي وضع مجموعة من الضوابط الصارمة على مصادر تمويل الجمعيات، وآليات الرقابة المالية والإدارية، مع ضمان حق الجمعيات في التأسيس بالإخطار، ومنحها استقلالية كاملة في تنفيذ أنشطتها طالما التزمت بالقوانين، وهو ما أتاح بيئة تنظيمية متوازنة بين الرقابة الحكومية وتمكين الجمعيات الشرعية.

 كما اتسع نطاق العمل الخيري في مصر ليتجاوز الدعم التقليدي للفئات الأكثر احتياجًا، ليشمل التمكين الاقتصادي، ودعم المرأة، والتنمية المجتمعية الشاملة. كما تم إدخال أدوات تكنولوجية لتعزيز الشفافية والمساءلة، مثل التسجيل الإلكتروني للتبرعات وربط الجمعيات بمنظومة ميكنة داخل وزارة التضامن الاجتماعي، مع قصر التدخل المباشر في أنشطة الجمعيات على حالات الاشتباه في تجاوزات تمس الأمن القومي. وفي السياق نفسه، أطلق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي كمنصة تنسيقية كبرى لتسهيل التعاون بين مختلف الجمعيات وتعظيم أثرها المجتمعي.

ومما سبق، يتضح ما يشكله استغلال وتوظيف التنظيمات الإرهابية للعمل الخيري من تحدٍ مركب للدول تتقاطع فيه الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية مع الأبعاد الأمنية والقانونية. فعلى الرغم مما تمثله هذه المؤسسات من ركيزة أساسية لتعزيز التضامن والتماسك المجتمعي عبر دعم الفئات الأكثر احتياجًا، فإن الثغرات القانونية في بعض الدول والطابع العابر للحدود لبعض المنظمات، يجعلها عرضة للاستغلال والتوظيف من التنظيمات المتطرفة. ومع قدرة هذه التنظيمات على التلاعب والاندماج داخل أنشطة المؤسسات الخيرية الشرعية، يجعل من كشف هذا الاستغلال ورصده تحديًا بالغ التعقيد؛ وهو ما يتطلب استراتيجيات دولية تعمل على تحقيق التوازن بين تعزيز الرقابة لحماية الأمن القومي دون المساس بالعمل الخيري.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة