لطالما اعتُبر المهرجان القومي للسينما المصرية بمثابة "كشف حساب" سنوي لصناعة السينما في مصر، ومع إعلان عودته في أبريل المقبل (2026) برئاسة المنتج هشام سليمان، لا تبدو هذه الخطوة مجرد استئناف لفعالية فنية، بل هي محاولة لاستعادة هيبة "السينما الوطنية" في مواجهة التحديات التي فرضتها سنوات التوقف.
تأتي الدورة الـ25 في توقيت مفصلي. فاليوبيل الفضي يفرض على الإدارة الجديدة تحديًا مضاعفًا، فالمطلوب ليس فقط الاحتفاء بالماضي، بل تقديم رؤية عصرية تواكب التغيرات الجذرية في وسائط العرض والإنتاج.
هنا، تبدو عودة المهرجان القومي للسينما المصرية ليست كخبر عابر في رزنامة الفعاليات الثقافية، بل كلحظة تأمل نادرة في مسار سينما طالما جرت أسرع من قدرتها على النظر إلى نفسها. فالمهرجان، في جوهره، ليس احتفالًا بما أنجزته السينما المصرية بقدر ما هو وقفة أمام مرآتها: مرآة عام كامل من الأحلام المتعثرة، والنجاحات السهلة، والمحاولات الصامتة التي لم تجد من يصغي إليها.
هذا المهرجان لم يكن يومًا بوابة إلى العالم، بل كان دائمًا حديث البيت مع نفسه. هنا لا نعرض صورتنا للآخر، بل نتساءل عمّا صرنا عليه. لذلك فإن عودته تفتح سؤالًا أعمق من مجرد التنظيم أو الجوائز: هل ما زلنا نملك الرغبة في أن نرى سينمانا بصدق، أم اكتفينا برؤية ما يطمئننا فقط؟.
تأتي هذه العودة في زمن تغيّر فيه كل شيء تقريبًا. تغيّر شكل الفيلم، وتغيّرت طرق المشاهدة، وتبدلت العلاقة بين الجمهور والسينما، حتى باتت القاعة مظللة أكثر من الشاشة نفسها. وبين سينما تُنتج بسرعة لتلحق بالسوق، وأخرى تُصنع على الهامش بلا ضجيج، يقف المهرجان أمام معضلة الاختيار: أيّ صوت يستحق أن يُسمع؟ وأيّ فيلم يملك حق البقاء في الذاكرة لا في شباك التذاكر فقط؟.
هنا تتكثف المسؤولية. فالمهرجان القومي ليس شاهدًا محايدًا، بل مشارك في صياغة المعنى. كل اختيار، كل استبعاد، كل جائزة، هو موقف غير معلن من شكل السينما التي نريدها. هل نكافئ الأمان أم المغامرة؟ الاكتمال المصقول أم الصدق المرتبك؟ الأفلام التي تشبه ما اعتدناه، أم تلك التي تربكنا قليلًا وتدفعنا للتفكير؟.
لعل أكثر ما يُنتظر من هذه العودة هو شجاعتها. شجاعة أن تعترف السينما بتعبها، بتكرارها، وبحاجتها إلى وقت أطول وأسئلة أعمق. شجاعة أن يُفتح المجال لأفلام لا تملك نجومية كافية لكنها تملك رؤية، ولأصوات جديدة لا تعرف بعد كيف تدافع عن نفسها.
في هذا السياق، يصبح المهرجان فرصة نادرة لاستعادة دور غائب: دور النقد، لا كحكم قاسٍ، بل كفعل محبة. فالنقد الحقيقي هو الرغبة في أن تكون السينما أفضل، لا مجرد الرغبة في تصفيق أسرع.
إن عودة المهرجان القومي للسينما المصرية في رأيي هي انتصار للسينمائي المصري الذي ظل لسنوات يبحث عن "بيت" يجمع شتات إنتاجه. النجاح الحقيقي للدورة الـ25 لن يُقاس ببريق سجادة حمراء أو أية مظاهر شكلية، بل بقدرة المهرجان على إحداث صلح حقيقي بين السينما التجارية والسينما النخبوية، وتقديم صورة صادقة عن وجه مصر السينمائي في عام 2026.
لذا فإن هذه العودة لا ينبغي أن تكون عودة شكلية، بل عودة للإنصات. إنصات لما تقوله الأفلام عن زمنها، وعن صانعيها، وعنّا نحن. لأن السينما التي تتوقف عن مساءلة نفسها، لا تخسر فقط قدرتها على التطور، بل تفقد أيضًا معناها الأعمق: أن تكون ذاكرة حيّة، لا صورة معلّقة على جدار الاحتفال.