لم تعد القوة الناعمة مجرد مفهوم ثقافي أو أداة فنية منفصلة عن الواقع، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية في بناء الوعي الوطني، خاصة حين تُوظَّف في إبراز بطولات المؤسسات الوطنية وترسيخ قيم الانتماء. وقد شكّلت الدراما التلفزيونية والسينما المصرية أحد أهم أدوات هذه القوة، عبر توثيق أمجاد الشرطة المصرية، وتحويل تضحياتها إلى ذاكرة حية في وجدان المجتمع.
نجحت الأعمال الفنية في إعادة تقديم صورة رجل الشرطة بصورة إنسانية وواقعية، تجمع بين الحزم والواجب الوطني، وبين البعد الإنساني والمسؤولية المجتمعية، بما يسهم في دعم الأمن القومي المصري وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته. ولم يكن هذا التوجه وليد اللحظة، بل هو نتاج مسيرة طويلة من التطوير الدرامي الهادف، الذي حرص صُنّاعه، قديمًا وحديثًا، على بث القيم الوطنية والإنسانية، خاصة لدى فئة الشباب، في إطار رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري وفق أهداف رؤية مصر 2030 والجمهورية الجديدة.
وتأتي ذكرى 25 يناير، عيد الشرطة المصرية، لتُجسّد واحدة من أعظم صفحات التاريخ الوطني، حين سطّر رجال الشرطة ملحمة الشرف والفداء في معركة الإسماعيلية عام 1952، لتتحول هذه المناسبة إلى رمز لصمود الشرطة واستمرار عطائها في مواجهة الإرهاب والجريمة وحماية الجبهة الداخلية للدولة.
وقدّمت الدراما التلفزيونية نماذج بارزة لتلك البطولات، من بينها مسلسل «الاختيار 2: رجال الظل» الذي وثّق تضحيات ضباط وزارة الداخلية في مواجهة الإرهاب، ومسلسل «كلبش» الذي أبرز صورة الضابط الميداني في مواجهة الجريمة المنظمة، إلى جانب «هجمة مرتدة» الذي كشف أهمية العمل الاستخباراتي، و«الاختيار» بأجزائه المختلفة الذي رسّخ مفهوم تكامل مؤسسات الدولة.
كما لعبت السينما المصرية دورًا مهمًا في تشكيل الوعي، عبر أفلام مثل «الخلية» و«الممر» و«في بيتنا رجل»، التي عكست مراحل مختلفة من التاريخ الوطني، وقدّمت خطابًا فنيًا يعكس تطور الدولة وقدرتها على المراجعة والبناء.
وتبقى القوة الناعمة جسرًا يربط بين ميادين الشرف وشاشة الوجدان، تحفظ أمجاد الشرطة المصرية، وتُورثها للأجيال وعيًا وانتماءً ومسؤولية وطنية.