بعد انتهاء عرض مسلسل ميد تيرم، الذي تناول عددًا من القضايا الشائكة المرتبطة بجيل Z، لفت الانتباه نموذج والدة "تيا" المنفصلة، ومحاولاتها رعاية ابنتها ومتابعة تفاصيل حياتها بمفردها. وقدمت ياسمينا العبد شخصية "تيا" بوصفها فتاة تحمل أعباء نفسية معقدة، لم تكن ناتجة عن تجربة الانفصال في حد ذاتها، بقدر ما كانت انعكاسًا لطريقة تعامل الأم مع هذه التجربة. فمع مرور الوقت، تحول الإحباط الداخلي لدى الأم إلى لوم غير مباشر، حملت من خلاله ابنتها مسؤولية ضياع عمرها وتخليها عن طموحاتها الشخصية مقابل رعايتها وضمان تفوقها الدراسي والاجتماعي.
يعكس هذا النموذج واقعًا تعيشه بعض الأمهات بعد الانفصال، حيث يتحول الشعور بالتعب والاستنزاف إلى خطاب دائم، يشعر الأبناء بأنهم السبب في الخسارة أو التعطيل. ويؤكد مصطفى الزريقي، استشاري الصحة النفسية، أن هذا النمط من التفاعل يعد من أكثر الأساليب إيذاءً نفسيًا، إذ يؤدي إلى تآكل تقدير الأبناء لذواتهم، ويزرع لديهم شعورًا خفيًا بالذنب، قد يتطور لاحقًا إلى اضطرابات نفسية أو أعراض جسدية مرتبطة بالضغط المستمر.
الدوافع النفسية وراء لوم الأبناء بعد الانفصال
يوضح استشاري الصحة النفسية أن تكرار عبارات من قبيل "ضيعت عمري عشانكم" لا ينطلق غالبًا من قسوة متعمدة، بل من أعباء نفسية مكبوتة تعيشها الأم، نتيجة تحملها المسؤولية وحدها لفترات طويلة، وشعورها بالحرمان أو الخسارة العاطفية، إلى جانب غياب الدعم النفسي أو الأسري، والمقارنة المستمرة بنماذج أسرية أكثر استقرارًا. ويشير إلى أن هذه العبارات تمثل محاولة لا واعية للاعتراف بالتضحية، لكنها تقال بطريقة تحمل الأبناء عبئًا نفسيًا لا يملكون أدوات التعامل معه.
آثار ممتدة تصيب الأم قبل الأبناء
لا تقتصر التداعيات النفسية لهذا السلوك على الأبناء فقط، بل تمتد إلى الأمهات أنفسهن. فاستمرار التفكير بهذه الطريقة يخلق حالة دائمة من الندم والغضب المكبوت، وقد يتحول مع الوقت إلى عصبية مفرطة أو اكتئاب، فضلًا عن تجميد الحياة العاطفية والاجتماعية، وربط قيمة الذات بدور واحد فقط هو "الأم المضحية". ويحذر المختصون من أن هذا النمط يحبس المرأة في أدوار مفروضة، ويضاعف الأذى النفسي للأسرة ككل.
الأضرار النفسية التي يتحملها الأبناء
يشير استشاري الصحة النفسية إلى أن الأبناء الذين يتعرضون لهذا النوع من اللوم يعيشون شعورًا دائمًا بأنهم سبب تعب الأم وضياع عمرها، ما يولد لديهم خوفًا مستمرًا من الفشل أو الاستقلال، وقد يدفع بعضهم إلى التعلق المرضي، بينما يتجه آخرون إلى التمرد الشديد. كما تتشكل لديهم صورة مشوهة عن الأمومة والزواج ومعنى التضحية، ما ينعكس على علاقاتهم المستقبلية.
كيف تحمي الأم أبناءها ونفسها بعد الطلاق؟
تبدأ الحماية النفسية للأبناء من تصحيح المفاهيم، عبر إعادة صياغة القصة الداخلية من منطق "الحرمان والتضحية القسرية" إلى منطق "الاختيار الواعي والمسؤولية"، باعتبار أن وجود الأم إلى جانب أبنائها قرار نابع من وعيها، لا دينًا في أعناقهم. كما يشدد المختصون على أهمية تفريغ المشاعر في مساحتها الصحيحة، من خلال الحديث مع شخص داعم وآمن بعيدًا عن الأبناء، بما يسمح باتخاذ قرارات متزنة تحمي الجميع.
استعادة التوازن النفسي والإنساني للأم
يؤكد استشاري الصحة النفسية أن الرعاية الذاتية تمثل خطوة محورية، ليس فقط على مستوى الصحة الجسدية، بل في تغيير لغة الخطاب مع الأبناء، عبر استبدال الرسائل المحبطة بأخرى داعمة تعزز الشعور بالأمان. كما أن استعادة دور المرأة، بعيدًا عن حصرها في دور الأم فقط، من خلال الاهتمام بالهوايات والعمل والتفاعل الاجتماعي، ينعكس إيجابيًا على صحتها النفسية وصحة أبنائها.
امتنان بلا ذنب
في النهاية يؤكد استشاري الصحة النفسية أن العلاقة الصحية تقوم على تعليم الأبناء الامتنان دون إشعارهم بالذنب، وتقدير الجهد دون تحميلهم مسؤوليات نفسية لا تتناسب مع أعمارهم. فالتعامل الواعي مع تجربة الانفصال قد يحولها من مصدر ألم مستمر إلى فرصة لبناء علاقة أكثر اتزانًا، تحفظ كرامة الأم وسلامة الأبناء في آن واحد.

نهاية مسلسل ميد تيرم