في خطوة استباقية تعكس حرص الدولة المصرية على حماية أصولها من الثروة الحيوانية، أطلقت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي حملة قومية استثنائية كبرى لتحصين الماشية ضد مرضي "الحمى القلاعية" و"حمى الوادي المتصدع".
تأتي هذه الحملة في توقيت استراتيجي مع دخول فصل الشتاء، الذي يمثل بيئة لنشاط الفيروسات الوبائية، مما يستدعي استنفاراً كاملاً لأجهزة الطب البيطري لضمان استقرار الأمن الغذائي وتأمين سلاسل إمداد اللحوم والألبان.
توجيهات رئاسية بآليات تنفيذية متطورة
كلف علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، الهيئة العامة للخدمات البيطرية بالتحرك الفوري في كافة محافظات الجمهورية، مع التشديد على الوصول إلى "المناطق المحرومة" في القرى والنجوع البعيدة.
ولم تقتصر التوجيهات على الكم، بل شملت الكيف أيضاً، حيث وجه الوزير بضرورة التركيز على العترة الجديدة "سات 1" (SAT 1)، والتي تطلب التعامل معها يقظة برمجية خاصة.
ولأول مرة في تاريخ الحملات القومية، اعتمدت الوزارة استخدام "اللقاح الرباعي المدمج"، ويمثل هذا اللقاح طفرة علمية في الوقاية البيطرية، حيث يجمع كافة العترات الفيروسية لمرض الحمى القلاعية في مركب واحد عالي الكفاءة، و هذا التحول التقني يرفع المناعة السيادية للقطيع بشكل متزامن، مما يقلل من فرص حدوث ثغرات مناعية قد تنفذ منها الإصابات.
الإرشاد البيطري
و تدرك وزارة الزراعة أن التحصين وحده لا يكفي دون وعي مجتمعي، لذا شدد الوزير على ضرورة مرافقة قوافل "الإرشاد البيطري" للفرق الطبية الميدانية فهذه القوافل لا تعمل فقط كجهة منفذة، بل كجهاز توعوي يقوم بتثقيف المربين حول مخاطر الأمراض الوبائية العابرة للحدود.
وتسعى هذه الفرق إلى ترسيخ مفهوم "الأمان الحيوي" لدى صغار المربين، والذين يمتلكون الكتلة الأكبر من الثروة الحيوانية في مصر، حيث يتم توعية المربي بكيفية التعامل مع الحيوان المصاب، وأهمية النظافة الدورية للحظائر، وكيفية عزل الرؤوس الجديدة قبل دمجها مع القطيع، وهو ما يساهم في بناء حائط صد مجتمعي يتوازى مع الجهود الطبية الرسمية.
استقرار وبائي وتحرك مدروس
من جانبه، أكد الدكتور حامد الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن الوضع الوبائي في مصر "تحت السيطرة الكاملة".
وأوضح أن مرض الحمى القلاعية، رغم كونه مرضاً متوطناً في المنطقة، إلا أن الالتزام بالخريطة الزمنية للتحصينات جعل مصر في مأمن من التفشيات الكبرى.
وأشار الأقنص إلى أن الهيئة توفر لقاحات منتجة محلياً وعالمياً وفق أعلى المعايير الدولية، وتخضع لرقابة صارمة من المعامل المرجعية للتأكد من فاعليتها قبل طرحها.
وأوضح أن هذه الحملة الاستثنائية تأتي كـ "جرعة تنشيطية" ووقائية تضاف إلى الحملات الثلاث الدورية التي تطلقها سنوياً، مما يضمن بقاء مستوى الأجسام المناعية في دم الحيوانات عند أعلى مستوياتها طوال العام.
التحديات الميدانية والتعاون المطلوب
تواجه فرق التحصين تحديات لوجستية في الوصول إلى كافة المناطق، إلا أن الهيئة شددت على مديري مديريات الطب البيطري بضرورة المتابعة اليومية لتقارير الإنجاز.
كما وجهت الهيئة نداءً للمربين بضرورة التعاون وفتح الأبواب أمام لجان التحصين، مؤكدة أن تكلفة التحصين الوقائي لا تقارن بالخسائر الفادحة التي قد يتكبدها المربي في حال انتشار المرض، والتي تشمل نفوق الماشية أو انخفاض إنتاجيتها من اللحم واللبن بشكل حاد.
رؤية مستقبلية للأمن الغذائي الحيواني
جدير بالذكر أن الحفاظ على الصحة الحيوانية هو في جوهره حفاظ على صحة الإنسان، و تمثل هذه الحملة حلقة في سلسلة من الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لتطوير قطاع الإنتاج الحيواني، بدءاً من تحسين السلالات وصولاً إلى التحصينات السيادية، بما يضمن للمستهلك الحصول على منتجات بروتينية آمنة وبأسعار مستقرة، ويضمن للمربي الصغير استمرار مشروعه وحمايته من التقلبات الوبائية التي قد تعصف باستثماراته البسيطة.