أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح ملف جرينلاند مجددًا، بعدما صعّد من لهجته بشأن رغبته في ضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة، ملوّحًا بإمكانية التدخل العسكري، وهو ما أثار مخاوف واسعة في أوروبا، وواجه إدانات سياسية متزايدة، خاصة في ظل حساسية الموقع الجيوسياسي للجزيرة.
وفي رد مباشر، أكد رئيس وزراء جرينلاند ينس–فريدريك نيلسن، خلال مؤتمر صحفي عُقد الثلاثاء 13 يناير، أن سكان جرينلاند لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة، مشددًا على أن خيارهم الواضح، حال الاضطرار للاختيار، هو الاستمرار ضمن السيادة الدنماركية.
وخلال الأسابيع الماضية كثّف ترامب تصريحاته بشأن ما وصفه بـ«الضرورة الاستراتيجية» لسيطرة الولايات المتحدة على جرينلاند، الأمر الذي رفع مستوى القلق الأوروبي من تحول الخطاب السياسي إلى تحرك عسكري فعلي، بما قد يضع الولايات المتحدة وأوروبا، حليفَي حلف الناتو، في مواجهة غير مسبوقة.
وبينما ترى الولايات المتحدة في جرينلاند مفتاحًا للنفوذ في القطب الشمالي، ترى الدنمارك وأوروبا فيها خطًا أحمر للسيادة الدولية، وتجربة تاريخية لا يمكن تكرارها على غرار صفقة جزر العذراء.
لماذا جرينلاند؟
تُعد جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ذات أهمية استراتيجية بالغة؛ إذ تبلغ مساحتها نحو 836 ألف ميل مربع، وتقع في قلب الممر الجيوسياسي المعروف بـممر جرينلاند–أيسلندا–المملكة المتحدة (GIUK Gap)، الذي يربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي، ويُعد نقطة حيوية في التوازنات العسكرية العالمية، وتمتلك الجزيرة ثروات طبيعية هائلة تشمل النفط، والغاز، والمعادن الأرضية النادرة، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا في ظل التنافس العالمي على الموارد، خاصة مع تصاعد الصراع الجيوسياسي في القطب الشمالي.
اهتمام أمريكي قديم
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" لا يُعد اهتمام واشنطن بجرينلاند وليد اللحظة؛ إذ يعود إلى القرن التاسع عشر، عندما طرح وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ويليام سيوارد، عقب شراء ألاسكا من روسيا عام 1867، فكرة شراء جرينلاند وأيسلندا من الدنمارك.
ورغم فشل المحاولات الأولى، ظل الطموح الأمريكي قائمًا، حتى أن واشنطن ناقشت في إحدى الفترات مبادلة غرينلاند بأراضٍ أمريكية في الفلبين.
وفي عام 1946، وبعد أن تولت الولايات المتحدة الدفاع عن جرينلاند خلال الحرب العالمية الثانية، عرض الرئيس هاري ترومان على الدنمارك 100 مليون دولار من الذهب مقابل الجزيرة، إلا أن كوبنهاغن رفضت العرض.
حين باعت الدنمارك… جزر العذراء نموذجًا
وتُثير هذه التطورات سؤالًا جوهريًا: لماذا ترفض الدنمارك اليوم التنازل عن جرينلاند، بينما وافقت في الماضي على بيع أراضٍ استراتيجية للولايات المتحدة؟
ففي عام 1917، أبرمت الدنمارك صفقة تاريخية مع الولايات المتحدة، تنازلت بموجبها عن جزر العذراء الأمريكية (سانت كروا، سانت توماس، سانت جون، وعدد من الجزر الصغيرة)، مقابل 25 مليون دولار من الذهب.
وجاءت الصفقة في سياق: أزمة مالية خانقة كانت تعاني منها الدنمارك أواخر القرن الـ19، صعوبة إدارة الجزر البعيدة، بجانب المخاوف الأمريكية من وقوع الجزر في يد قوى معادية تهدد الأمن القومي الأمريكي، وبحسب السجلات الوطنية الأمريكية، رأت واشنطن آنذاك أن السيطرة على هذه الجزر ضرورية لحماية مصالحها في البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي.
لكن المشهد اليوم مختلف جذريًا بحسب العديد من التقارير الإخبارية العالمية إذ أن جرينلاند ليست كجزر العذراء مجرد مستعمرة مهملة، بل كيان يتمتع بحكم ذاتي وسكان يرفضون الانضمام لواشنطن بحسب التصريحات الرسمية من الحكومة الدنماركية، كذلك فإن الدنمارك الآن لم تعد قوة مالية ضعيفة مضطرة للبيع كما كانت وقت بيع جزر العذراء، فضلا عن أ جرينلاند تمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا لأوروبا كلها، وليس للدنمارك وحدها، كم أن السياق الدولي لم يعد يسمح بصفقات شراء أراضٍ بالقوة الناعمة أو الخشنة.