منال العيسوى

رصاص الرحمة أم الجهل؟ لماذا يهدد قتل كلاب الشوارع التوازن البيئي؟

الجمعة، 16 يناير 2026 12:00 ص


في كل مرة تضج فيها الشوارع بأصوات الرصاص أو تمتلئ الأرصفة بأجساد الكلاب التي صرعها السم، ينقسم المجتمع بين مؤيد يرى فيها "خلاصاً" من الإزعاج والخطر، ومعارض يراها "جريمة" نكراء، لكن بعيداً عن العواطف، يبرز سؤال علمي وبيئي ملح، هل قتل كلاب الشوارع يحل الأزمة حقاً، أم أنه يفتح أبواباً لتهديدات بيئية وصحية لم نكن نحسب لها حساباً؟

اختلال التوازن عندما نفتح الباب للجرذان والذئاب

يعتقد الكثيرون أن إخلاء الشوارع من الكلاب يجعلها أكثر أماناً، إلا أن علم "الايكولوجيا الحضرية" يثبت العكس، فالكلاب تحتل قمة الهرم الغذائي في المدن، ووجودها يمثل مانعاً طبيعياً لانتشار القوارض من الفئران والزواحف.

في المناطق التي شهدت حملات إبادة واسعة للكلاب، سجلت المراكز البيئية طفرة في أعداد الجرذان التي لم تعد تجد من يطاردها، بل والأخطر من ذلك هو "قانون الفراغ"؛ فحين تُقتل الكلاب "المسالمة" التي اعتادت على البشر، تترك فراغاً جغرافياً سرعان ما تملؤه حيوانات برية أكثر شراسة قادمة من الظهير الصحراوي مثل الثعالب والذئاب، التي لا تتردد في مهاجمة السكان.

 

وهم "القتل الرحيم" حلقة مفرغة لا تنتهي

تثبت التجارب الدولية أن القتل ليس حلاً مستداماً، فإبادة مجموعة من الكلاب تؤدي مؤقتاً لخفض عددهم، لكنها تحفز المجموعات المتبقية على التكاثر بمعدلات أسرع نتيجة توفر الغذاء والمساحة وهو ما يعرف بـ "تأثير الارتداد". وبدلاً من إنفاق الميزانيات على السموم والرصاص، اتجهت الدول المتقدمة إلى استراتيجية TNVR اختصارا للإمساك، التعقيم، التطعيم، ثم الإطلاق.

هذه الاستراتيجية تحول الكلب إلى "حارس صحي"،  فبمجرد تطعيمه ضد السعار وتعقيمه، يصبح الكلب الموجود في الحي حائط صد يمنع دخول أي كلاب أخرى غريبة أو مصابة بالأمراض، ومع الوقت تتناقص الأعداد بشكل طبيعي وهادئ دون الإخلال بالنظام البيئي.

 

القتل جريمة بيئية بـ "غطاء قانوني"

من الناحية القانونية والبيئية، لم يعد الحيوان مجرد كائن عابر، بل هو جزء من "الصحة الواحدة"التي تربط صحة الإنسان بصحة الحيوان والبيئة، إن التخلص العشوائي من جثث الحيوانات المسمومة يلوث التربة والمياه الجوفية، ويؤدي لمقتل طيور وحيوانات أخرى غير مستهدفة، مما يجعلها جريمة بيئية متكاملة الأركان تتجاوز فعل القتل المباشر.

 

نحو مدن أكثر رحمة وذكاءً

إن مواجهة ظاهرة كلاب الشوارع لا يجب أن تكون بـ "رصاص الجهل" الذي يدمر التوازن البيولوجي، بل بـ "رصاص الوعي" والحلول العلمية، الاستثمار في مراكز التعقيم والوعي المجتمعي هو الطريق الوحيد لمدن آمنة بيئياً وإنسانياً. فالرحمة بالحيوان ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي ضرورة بيئية لحماية الإنسان نفسه

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة