من بين دخان الحرب الكثيف، كان لي الحظ أن أحيا، أن أعيش وأرى النور، أن تكون لي حياة الجمال، أتقلب في النعمة، إنها الحرب ما جعلتني هنا، إنها الحرب التي حطمت حياة الملايين بين الموت والتشريد والإعاقة والجوع، البحث عن لقمة تقيم الجسد الهزيل، ساعات طويلة، لم تعرف البطون الشبع، إنها تلهث وراء البقاء، الحياة لساعات كلما طلعت الشمس، تبدأ الرحلة اليومية بحثا عن القوت بين الخرائب، مساعدات من هنا ومن هناك، ننتظر التفضل من الهيئات الدولية، نقف طوابير لننال بعض الحياة، كان من الممكن أن أقف في ذلك الطابور الطويل، الذي لا ينتهي، نقف كل صباح ببعض الأدوات أو الأكياس، لننال بعض منه، كان من الممكن أن تخُطيء يد القدر إلى طفل أخر إلى روح أخرى، وأكون أنا ذلك المُشرد، الذي يُحشر في طابوره، كنت الأكثر حظا بين هؤلاء جميعا، حين أخذتني يد تلك المرأة، حين أختارتني من بينهم، أنتشلتني من قاع سحيق، إلى سماء صافية، كيف كنت وإلى أين أصير؟ ما بين يوم وليلة أُحمل على بساط من حرير إلى دنيا أخرى، نسمع عنها ولم نراه، كنا نتخيلها نعيم لا نحظى به إلا في جنان الخلد فقط، إنها الجنة الأرضية، حيث لا عين رأت من قبل، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد منا، بلاد الحرية والجمال، بلاد بلا حروب، ولا ضباب، ولا دخان يعكر السماء. بلاد بلا ضجيج ولا صخب.
ألتحقت بعائلتي الجديدة، كنت أصغرهم سنا تصفحت الوجوه كانت بالنسبة لي غريبة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من الشرق والغرب، الأبيض والأسود، والمزيج بين هذا وذاك، كيف يجتمع في بيت واحد، وعلى مائدة واحدة، نماذج إنسانية متنوعة العقول والأشكال والألوان؟..
كانت أمنا قد أهتمت بنا وبتكويننا الفكري بطريقة فيها العدل والرحمة’ كانت تعلمنا لغتنا الأم مع اللغة الإنجليزية، تعلمنا ديننا كما يعتنقه أهلنا في بلادنا الأم، ثم نتعلم في مدارسنا ما يتعلمه أبناء الأمة، التي نعيش فيها، لكل منا مدرسوه، كان الأمر أشبه بخلاصة الفكر الإنساني، حين كنا نتناقش، ويعلم بعضنا بعضا، أديان شتى، البوذي والمسيحي والمسلم، كنا حلقات ملونه مختلفة لكنها متشابكة، فوق طاولة الطعام دارت بيننا الآف المناقشات، الاختلاف الذي بيننا لم يؤثر على قلوبنا، علمتنا أمنا أن هناك دين نعتنقه جميعا هو الحب والإنسانية والرحمة، وأننا فقط نختلف في الوسائل، لنصل إلى نفس النقطة، والهدف، علمتنا أن يكون الصوت الهاديء، هو وسيلة الإقناع بيننا، فان لم يكن هناك إقتناع فالحب قابع في أعماقنا، وهو الأساس الذي نبي به بيتنا، سبعة من الأبناء بسبع أتجاهات مختلفة لأنه لابد لكل منا أن يكون له خصوصيته، حتى فيما يعتنق من مباديء، علمتنا كل هذا دون أن تنطق بكلمة، دون أن تنهر أحدنا أو تصرخ في وجهنا، ولو لمرة واحدة، كان من الممكن أن تستقطبنا إلى دينها إلى ما تؤمن به، فإن لها اليد العليا في تربيتنا وفي الفضل، لكنها لم تفعل، تركت لنا أن نختار أن نحب بقلوبنا لا بقلبها، أن نختار بعقولنا لا بعقلها، لم تفرض بقوة المال، ولكنها أرادت أن يكون لكل منا ذاته واختياراته، كنت المسلم الوحيد بينهم، كانت لي عينان، عين على بلادنا، وما يحدث فيها، وعين على هؤلاء الذين أعيش بينهم، كان الشيخ الذي يلقنني مباديء الإسلام الأولى، شيخا حصيفا على علم وفير، وإدراك عميق، كنت أتعجب من هذه المتناقضات، التي تقابلني وما يملي علينا الإسلام في الكتب، وفي كتابنا، وما نراه عبر شاشات التلفاز والقنوات الفضائية، تعلمت اللغة العربية، وحفظت الكثير من الآيات القرانية، والأحاديث والشعر، وعشقتها لغة الجمال والسحر، كنت أترجم لأخوتي وأنا أصغرهم، الكثير منها إذا جاء دوري في الحديث عن قرآتي الأسبوعية، فقد كنا نجتمع آيام الآحاد، ونتحاور ونتناقش، كانت جلسة ثقافية ندع كل منا يعرض ما تعلمه خلال الأسبوع، ربما تكلم ساعة أو أكثر ونحن ننصت إليه وأفواهنا فاغرة، ثم نناقشه فيما يعرض من أفكار، هذا غير ما نتكلم فيه أثناء جلسات الطعام أو إذا خلا كل منا بالأخر في أوقات مختلفة، كانت الأسابيع تمضي مسرعة ونحن نستقي من ينابيع العلوم المختلفة، جلسات فلسفيه نعرض فيها عن ماهية الحياة ورأي كل دين من الأديان في كل شيء، كيف وجد العالم عند البوذية أو الهندوسية أو في المسيحية أو في الإسلام؟ متشابهات متفرقات، أين العالم الصحيح، كيف وجد، نستمع ولا ننكر ولا نعقب إلا بمعرفة ولا يأخذ بعضنا على بعض، ولا يسخر أو يقلل من شأن ما يقول أو يؤمن به، في الأجازات كنا نتناسى كل شيء إلا اللعب واللهو، كنا أطفال حتى عندما كبرنا قليلا، كنا لانزال أطفال لا يحمل أحدنا حقدا أو غلا لشيء حي أو غير حي، كنا نتعاطف حتى مع الحيوانات والجمادات، التي لا تحس ولا تشعر، أذكر أخذتنا أمنا في رحلة سفاري عبر الصحراء، يحمل كل منا مخلته وأدواته، كانت أيام ممتعة بلا أي وسائل حديثة، لا تليفون ولا ضوضاء تصطق أذاننا من عالمنا الحديث، نصطاد في البرية، ونشعل النار لنطهو ما اصطدناه بأيدينا، كنا في بعض الأيام نكاد نموت جوعا، ولكنها رياضة تعلمناها، أن نقوى في أشد الأزمات، فهي التي تصنع الرجال الأقوياء، نرتدي أزياء متواضعة، ونستحم مرة كل بضعة أيام، حفاظا على ما معنا من الماء، أحترقت وجوهنا من حرارة الشمس، كنا نلتف حول ضوء النار في المساء، ونفكر بعقول القرون الأولى، نستظل بصخرة كبيرة ونبيت في كهف، بعد أن نطمأن أنه خالي من الثعابين أو الحشرات، كنا ننظر في وجوه بعضنا بعضنا، ويكاد كل منا يتسآل، كيف أجتمعت كل هذه السنح والتقاطيع المختلفة في مكان واحد؟ كنا يدا واحدة أمام أخطار الطبيعة، تلاشت صورنا وألواننا، ولم يعد إلا الإنسانية، هي التي تجمع بيننا، كانت أمي تنظر إلينا في فخر كبير، نظرة متساوية نحو بنيها، لم نكن أخوة أشقاء أو غير أشقاء، لكنها أخوة إنسانية، ولكنا الدم الذي يسير في عرقنا دم واحد، يمتد عبر الزمن البعيد، لم تفرق أمنا بيننا يوما، رغم أن لها ثلالث منا من صلبها، لم نشعر يوما بذلك، بل لم نتذكره، كنا على قدم المساواة، كلنا ينزل في قلبها منزلة الأخر، بلا زيادة أو نقصان، فلو هاجمنا أسد في هذه الفلاة، لقدم كل منا نفسه قربان من أجل أخوته إنقاذا لهم، أيام في الصحراء تعلمنا فيها أن الإنسانية لها أصول واحدة، فلماذا الحرب والقتال بين بني البشر، لكل منا رأس، فلماذا إذا أراد أن يعيش، أن يطيح برأس الأخرين؟ لماذا لا يعيش الجميع وفوق أكتافهم رؤسهم وأحلامهم وأفكارهم؟ يحيون كما يريدون، خرجنا بكم هائل من الدروس عن حياة الإنسان الأولى، كيف كان يعيش وكيف كان يؤمن والخوف والأخطار المتربصة به، جمعنا أشيائنا ورفعنها فوق أكتافنا ورحلنا، كانت هذه الرحلات التي كانت أمي تعدها لنا بعد كل سنة دراسية هي زاد لقلوبنا وعقولنا، وكانت رحلات الشتاء حيث المطر والخوف والظلام والمواقد تشتعل نستدفيء بها والتخييم لأسابيع، كانت الضحكات تعلو وتصل إلى عنان السماء بهجة وفرحة، وكانت أمي ترسلنا إلى موطننا الأصلية، في رحلات كل عدة سنوات، لنرى ما تعلمناه في كتبنا، لنرى الواقع ونقارن بينه وبين ما تخيلناه، كانت تربطنا بأصولنا، ثم هي تعلو بنا جميعا إلى أصول إنسانية واحدة، كان الحبل موصول والود موصول بين الغرب والشرق، كنت أخر ما أرسلتني في رحلة إلى بلادي، وافقت بعد تفكير عميق، وبعد تردد لأكثر من سنة، فقد كانت بلادنا قد استرقتها الحرب، بل طحنتها الحروب، وأكلت فيها الأخضر واليابس وتركتها أطلالا بالية، وأثرا بعد عين، كانت تخاف من فزعي من تأثير كل هذا الخراب على نفسية طفلا في الثانية عشرة من عمره، وهو يرى كل هذا الركام والطين، لكنها من باب العدل بين أبنائها قررت في نهاية الأمر أن ترسلني في مكان لم تطاله يد التخريب المستفحل، لأرى شيء من الحقيقة الغائبة عن عين طفل، ربما لو لم يحالفه الحظ لكان بين المتسولين أو القتلى، إن رحمته الحياة من عناء العيش في بلاد خربها أهلها بأيديهم، بدعوى عقيدة زائفة، وحرب ضروس، أشقت الجميع، نزلت بفندق أمن على الحدود، معي الدليل، الذي يشرح لي معالم الحياة والجغرافيا، عن سلوك الناس وما يحبون وما يكرهون، الأكلات المفضلة العادات والتقاليد، طقوس الزواج والطلاق، الحفلات نظام التعليم الأحوال السياسية، طبقات المجتمع، الحرية، نظام الانتخابات وأشياء كثيرة، ولكن هناك حدود لما يقول كما لقنته أمي، حجاب كثيف ليصلني ما أرادوا ليس عن عمد وسوء طوية ولكن أرادت أن تلقنني بقدر سني وعقلي، وأن أتدرج في معرفة أحوال بلادي، حتى لا يكون حكمي على غير روية، فإن الملابسات كثيرة، وربما ظهر الأمر للعيان، وهو حق ولكن يحمل في طياته كل معاني الخبث، وأيضا تعلمت الكثير في رحلتي القصيرة إلى البلاد، التي أنبتتني وخرجت منها إلى الحياة، كانت أماكنها محفورة في عقلي الباطني، تلهمني العون على التذكر والمعرفة في خطوطها وطرقها وزواياها وأرجائها، ففي كل خطوة أخطوها تحفر في نفسي شيء لا أعلم كنه وماهيته، ولكن هناك في أعماق النفس راحة ضخمة تشق وتغزو جنباتي، أنتهى وقت الرحلة وعدت من الديار إلى الديار، أنتقلت من نفسي إلى نفسي، اجتمع حولي أخوتي كما كنا نفعل فيمن يذهب إلى بلاده، ليحدثنا عن رحلته، ماذا رأى؟ وانطباعاته وشعوره عندما نزل للمرة الاأولى إلى بلاده؟ وأشياء كثيرة، كانت لهفتنا للمعرفة قوية وشعورنا نفتخر به أننا مميزون ومحظوظون، لأننا نعرف أكثر من مصادر موثوق بها، فكل منا يحكي ويسرد والجميع يتلقى ويأخذ ويتعايش معه ويشاركه أفراحه وأحزانه، كانوا ينظرون في عيني بلهفة واشتياق لما أقول، لكل كلمة تخرج من فمي إلى آذانهم المصغية، كانت هذه الليالي أمتع ليالينا وأروعها، ننتظرها بشغف، وكلما كبرنا كان الأتساع قائم يكبر كما نكبر والشغف يزداد ويزداد، كأننا كنا نعيش حيوات أخرى كل منا يتعايش مع أخيه ويشاركه حياته، التي يسمع بها منه، قررت أمي أن تكون الرحلات القادمة رحلات جماعية، لتكون المشاركة أكبر والإحساس أعمق، فقد كانت أيضا شغوفة مثل أخوتي بما تسمع من أبنائها’ قررنا جميعا بعد عرض الفكرة منها أن نصوت لهذا الاقتراح، وبدلا من الرحلات الداخلية في الولايات المختلفة، أن تكون في كل عام إلى بلد من بلاد أخوتي، وسعدت بهذا رغم أن حزن ما أنتابني فبلادي بالقطع أقل البلاد علما ومدنية، فالحروب لسنوات طويلة جعلت وضعها سيء للغاية، ضعف في كل شيء، لاحظت أمي ما تغير من ملامحي، بعد برهة لعلها شعرت بي، وعلمت ما يدور في نفسي، أزالت هذا الهاجص بكلمات طيبة، فقذ كانت من الذكاء، ورفعت الشعور، ما يجعلها تقرأ أفكارنا، أليست أمنا، تربينا على يديها، ونشأنا في ظلها، وحفظتنا عن ظهر قلب، فهي دائما تعتني بنا، رغم مشاغلها الكثيرة، فهي لم تترك لعملها أن يصرفها عنا، كنا في المقام الأول حتى قبل العمل، كانت رعايتها لنا مباشرة، تطمأن على كل شيء، مدارسنا وواجباتنا وطعامنا وشربنا حتى وقت النوم لم تهمله، المشاركة في الحفلات المدرسية، المتابعة لو كانت هناك مشكلة، كانت أما عظيمة في كل شيء، إن القدر حبانا وأختار لنا أفضل ما يكون، كانت أحيانا تقوم في الصباح الباكر تساعدنا في أرتداء الملابس، وفي إعداد ما نحتاج إليه، في توديعنا في إلقاء كلمات الحماس والتتشجيع والتمنيات بيوم طيب، كانت تلك الكلمات البسيطة حافزا قويا في الإقبال على الدروس بعقول متيقظة نشطة تعود مسرعة بعد أن يرتدي أخي الأكبر، ويخرج إلى الباص، وتجري إلى هذا، وتستعجل ذاك، إلى أن نخرج جميعا تشير إلينا وقبل أن نغاد تطبع قبلة فوق الجبين أو الخد، تجعلنا مزهوين بها، تعود إلى الحمام تاخذ حماما ساخنا، وتكمل نومها أو تغير ملابسها وتخرج إن كان لديها عمل فهي تتعب من أجلنا ومن أجل غيرنا، تعمل لتساعد، لترفع عن كاهل الأيتام والضعفاء ما تستطيع من عنائهم وشقائهم.
كان شعورنا لها بالحب يتعاظم يوم بعد يوم، لأنها كانت تستميت في راحتنا وتلبيت ما نريد وإسعادنا فالأمر ليس بالهين أن تتعامل مع ابناء بينهم من الاختلاف البون البعيد، أن تجمعهم على طاولة واحدة، وتنزع من بواطنهم ما رسب فيها، لتبني من جديد وتعزز البناء بتربية عالية، تتناسب مع الجميع، فهذا أمر يحتاج إلى قوة جسدية ونفسية وشعور قوي، يتحكم ويحكم، مع ترك مسافة اختيار لكل واحد منهم.