بيشوى رمزى يكتب: المرحلة الثانية من اتفاق غزة نقطة الانطلاق نحو "بناء الدولة".. ووقف إطلاق النار مجرد "بداية القصة".. مصر ثبتت أركان الهوية الفلسطينية جغرافيا وسكانيا وسياديا.. ووضعت نتنياهو دون اختيار

الخميس، 15 يناير 2026 05:00 م
بيشوى رمزى يكتب: المرحلة الثانية من اتفاق غزة نقطة الانطلاق نحو "بناء الدولة".. ووقف إطلاق النار مجرد "بداية القصة".. مصر ثبتت أركان الهوية الفلسطينية جغرافيا وسكانيا وسياديا.. ووضعت نتنياهو دون اختيار قمة شرم الشيخ للسلام

انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، يمثل قفزة مهمة نحو مستقبل القطاع، بل ويتجاوزه نحو ما هو أبعد من ذلك، في إطار القضية الفلسطينية برمتها، وهو ما يعد جوهر ما توصل إليه قادة العالم في شرم الشيخ، برعاية مشتركة بين مصر والولايات المتحدة، إلى جانب الوسطاء الأخرين، بل والهدف الرئيسي وراء الجهود الكبيرة التي قامت بها القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، طيلة عامين من العدوان، وعلى رأسها مصر، عبر تعزيز وجود الدولة المنشودة، جغرافيا، وسكانيا، وهي الأبعاد التي استهدفها الاحتلال، عبر دعوات مشبوهة، سواء فيما يتعلق بتهجير سكان غزة، أو فصل القطاع عن الضفة، وهو ما يترتب عليه بالتبعية تقويض الشرعية الدولية القائمة على حل الدولتين، وتصفية القضية.

ولعل رهان الاحتلال كان قائما في الأساس على تنفيذ المرحلة الأولى، والتي توافقت بنودها مع رؤى بنيامين نتنياهو وحكومته، خاصة فيما يتعلق باستعادة الرهائن الإسرائيليين من قبضة الفصائل الفلسطينية، وكذلك استعادة رفات المقتولين منهم، في محاولة للترويج إلى انتصار زائف، يتمثل في تحقيق مطالب آلاف المحتجين الذين احتشدوا مرارا وتكرارا في تل أبيب، بينما يعكس فشلا عسكريا ذريعا طالما راهن عليه، يقوم على استعادة الإسرائيليين بالقوة، في الوقت الذي سعت خلاله تل أبيب إلى تقويض المراحل اللاحقة من الاتفاق، باعتبارها "شاهد إثبات" على الصفعات المتتالية التي تلقتها السلطة الحاكمة في الدولة العبرية، خاصة على الصعيد الدبلوماسي، والتي تجلت في أبهى صورها في سلسلة الاعترافات المتتالية بالدولة الفلسطينية، والتي جاءت من قوى غربية مؤثرة، ومعروفة بانحيازها التاريخي إلى الجانب الإسرائيلي.

العلاقة بين الاعترافات بفلسطين وانطلاق المرحلة الثانية من الاتفاق، تبدو واضحة للوهلة الأولى، فإذا كان التوافق العالمي حول ضرورة وجود دولة فلسطينية، يمنحها الشرعية الدولية، فإن استكمال الاتفاق الموقع في شرم الشيخ يمنح الدولة المنشودة "شرعية مكانية"، تتجلى في وجود حقيقي في تلك الرقعة الجغرافية، خاصة إذا ما كانت تلك المرحلة تشمل إنشاء إدارة تكنوقراط من الفلسطينيين لإدارة القطاع، وهو ما يعزز الهوية الفلسطينية، وينتقل بها إلى نقطة السيادة، ولو جزئيا، ليضاف إلى البعدين سالفي الذكر (الجغرافي والسكاني)، بالإضافة إلى إعادة إعماره، بعدما لحق به من دمار جراء عامين من العدوان المتواصل.

والحديث عن إعادة الإعمار يبدو نقطة جوهرية في هذا الإطار، خاصة وأنه يمثل نقطة الانطلاق لدى الدولة المصرية، فيما يتعلق بمستقبل القضية، وليس فقط القطاع، وهو ما بدا في خطتها التي أعلنتها في مارس 2025، خلال القمة العربية الطارئة التي عقدت على أراضيها، حيث تقوم في الأساس على تعضيد الصمود الفلسطيني، بأبعاد اقتصادية جنبا إلى جنب مع الأبعاد الأخرى سواء الدبلوماسية أو الجغرافية أو السكانية، من خلال مشروعات بناءة من شأنها تثبيت أهل القطاع على أراضيهم، وهو ما يمثل طبقة أخرى من طبقات المواجهة مع الدعوات التي سبق وأن دعا إليها الاحتلال، سواء كانت التهجير أو الفصل الجغرافي بين غزة والضفة وما يؤدي إليه من تصفية القضية وتقويض حل الدولتين، وهو الهدف الذي يسعى إليه نتنياهو وحكومته.

والواقع أن الأبعاد الثلاثة (الجغرافيا والسكان والسيادة) تمثل لب الرؤية المصرية، لبناء الدولة الفلسطينية المنشودة، وهو الهدف الذي أدارت من أجلة عملية وقف إطلاق النار برمتها، فلم يكن الاتفاق تقليديا، في صيغة هدنة مؤقتة، يمكن نقضها، كما جرت العادة، وإنما أشبه بعملية سياسية ذات طابع هندسي، يقوم في الأساس على وقف الحرب، بينما تتبعه إجراءات أخرى، أهمها إعادة الإعمار، وتشكيل إدارة فلسطينية وطنية، ناهيك عن التأكيد على الثوابت، وعلى رأسها حل الدولتين، ورفض التهجير، وهي أمور توافقت عليها القاهرة وواشنطن وجرى توظيفها داخل المسار السياسي الذي أعلنه البيت الأبيض.

البناء الهندسي في صورته سالفة الذكر، تطلب أساسات يقوم عليها، تجلت في حالة من الإجماع الإقليمي والتوافق الدولي حول الثوابت، ووجود حلفاء تل أبيب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ليكونوا شركاء في أي صيغة اتفاق، ناهيك عن الاعترافات المتواترة بالدولة المنشودة، لتضع جميعها إسرائيل أمام حالة من "اللا خيار".

وهنا يمكن القول بأن الدولة المصرية صاغت رؤيتها للقضية، عبر استحداث موقعها بها، فتخلت عن الوساطة التقليدية، لتخلق اتفاقا هندسيا، يبدو للوهلة الأولى أنه مجرد صيغة لإنهاء حرب طويلة، وإنما يحمل في طياته أهدافا أعمق وأبعد، تقوم في الأساس على دفع العالم نحو حل عادل وشامل يحفظ للشرعية الدولية مكانتها، وبالتالي فتحولت الهدنة إلى مسار بناء دولة ليكون وقف إطلاق النار ما هو إلا مجرد بداية وليس النهاية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة