صدر حديثًا عن دار الوفاء للنشر والتوزيع، للدكتورة أسماء نوير، تقديم الأستاذ الدكتور صلاح إسماعيل بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، كتاب "الفلسفة العصبية عند بول تشيرشلاند" في تجربة أسماء نوير الفكرية، ويتناول الكتاب التحولات العميقة التي شهدتها حياة الفيلسوف الكندى حيث اهتم بول تشيرشلاند بتفسير الحس للخبرات الواعِية مثل: الخِبرات البَصَرية، والتذوقية، والشَمية، والتعرف على وجه الناس، يعد الكتاب إجابة على تساؤلات فلسفية مهمة فيها سعى المؤلف إلى الإسهام في تعميق النقاش الفلسفي حول طبيعة العقل، وحدود الوعي، وآفاق التفاعل المعرفي بين فلسفة العقل والعلوم العصبية المعاصرة.
تعد فلسفة من أكثر الحقول الفلسفية حيويةً وإثارةً للنقاش، لما تنطوي عليه من أسئلة جذرية تمس طبيعة الإنسان وحدود معرفته بذاته وبالعالم من حوله. فهي ليست فرعًا فلسفيًا منعزلًا، بل مجالٌ تفاعليٌّ مفتوح، يتقاطع بعمق مع الميتافيزيقا، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلم، والإبستمولوجيا، وأخلاقيات الفعل الإنساني، كما ينفتح في الآن ذاته على علومٍ تجريبية معاصرة، من قبيل علم النفس، وعلم الأعصاب، والعلم المعرفي، والذكاء الاصطناعي. وقد أفضى هذا التداخل الخلّاق بين الفلسفة والعلم إلى إعادة صياغة كثير من الإشكالات التقليدية في ضوء المعطيات العلمية المستجدة، الأمر الذي جعل فلسفة العقل من أكثر فروع الفلسفة استفادةً من نتائج البحث العلمي الحديث.
تعتبر الفلسفة العصبية (Neurophilosophy) أحد أهم الاتجاهات المعاصرة التي تسعى إلى تجاوز القطيعة التقليدية بين التأمل الفلسفي والدراسة العلمية للمخ. فهي لا تمثل فلسفةً خالصة، ولا علم أعصابٍ محضًا، بل مشروعًا معرفيًا مركّبًا يهدف إلى بناء رؤية موحَّدة للعقل والمخ، تقوم على دمج التحليل الفلسفي بالنتائج التجريبية لعلوم الأعصاب. وقد اقترن ظهور هذا الاتجاه باسم الفيلسوف الكندي بول تشيرشلاند، الذي كرّس مشروعه الفكري لتفكيك التصورات الموروثة عن العقل، وإعادة بنائها على أسس عصبية مادية.
ينطلق تشيرشلاند من موقف راديكالي عُرف بـ النزعة المادية الاستبعادية، التي تشكّك في صلاحية المفاهيم الشائعة في علم النفس الشعبي، مثل الاعتقاد والرغبة والأمل والقصد، معتبرًا إياها بقايا ميتافيزيقية لا تستند إلى أساس عصبي علمي راسخ. ومن ثمّ، يسعى هذا الاتجاه إلى استبدال تلك المفاهيم بلغة علمية أدقّ، تستند إلى وصف الحالات العصبية والعمليات الوظيفية للمخ، بوصفها الإطار التفسيري الوحيد القادر على فهم الظواهر العقلية فهمًا علميًا.
يتناول الكتاب أبرز الإشكالات التي شكّلت العمود الفقري لمشروع تشيرشلاند الفلسفي، وفي مقدمتها مشكلة العقل والجسم، ومشكلة الوعي، وإشكالية القصدية، فضلًا عن موقفه من الذكاء الاصطناعي وإمكان توليد الخصائص العقلية في الآلات. ومن خلال تتبّع هذه القضايا، يتضح أن هدف تشيرشلاند لا يقتصر على حل مشكلات فلسفية تقليدية، بل يتجاوز ذلك إلى الدعوة لإعادة توجيه فلسفة العقل برمّتها نحو أفقٍ علميٍّ جديد، يجعل من العلوم العصبية الحسابية والبيولوجية الإدراكية الأساس النظري لفهم العقل الإنساني.
وعليه، تأتي هذه المقدمة تمهيدًا لكتاب يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لمشروع بول تشيرشلاند في الفلسفة العصبية، وإبراز رهاناته المعرفية والعلمية، ودوره في إعادة تشكيل النقاش المعاصر حول طبيعة العقل، وحدود الوعي، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

غلاف الكتاب