في موسمٍ يُوصف بأنه الأشد قسوة منذ عقود، تضرب موجات الإنفلونزا ومثيلاتها الولايات المتحدة ومعظم دول العالم بشراسة غير مسبوقة. امتلأت العيادات بأشخاص يعانون الحمى، وآلام المفاصل، والتهاب الحلق، وإرهاقًا يعيقهم عن أداء أعمالهم اليومية، لتسجل الجهات الصحية ارتفاعًا تاريخيًا في عدد الإصابات بأمراض الجهاز التنفسي الحادة.
ما يثير القلق أن منحنى العدوى لم يصل بعد إلى ذروته، ما يجعل الشتاء الحالي أحد أكثر المواسم تحديًا على مستوى الصحة العامة.وفقًا لتقرير نشره موقع Everyday Health، فإن بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أظهرت أن أكثر من 8% من زيارات العيادات الخارجية في نهاية ديسمبر كانت بسبب أعراض تشبه الإنفلونزا، وهو رقم لم يُسجل منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الإصابات تجاوز 11 مليون حالة، مع تزايد الحالات في 45 ولاية أميركية على الأقل، وتزايد الضغط على المستشفيات بسبب مضاعفات المرض لدى الفئات الضعيفة.
موجة أكثر حدة ومتحور جديد
الأطباء يصفون ما يحدث بأنه “عاصفة فيروسات” نتيجة تزامن عدة عوامل، أبرزها ظهور طفرة جديدة في فيروس الإنفلونزا من نوع A H3N2، تُعرف بالفرع الفرعي K، وهي أكثر قدرة على الانتشار ومقاومة المناعة المكتسبة من العدوى أو اللقاحات السابقة.ورغم أن الدراسات الأولية لا تشير إلى أن السلالة الجديدة أشد فتكًا، فإن قدرتها العالية على العدوى أدت إلى تضاعف أعداد الإصابات، وبالتالي ارتفاع نسبي في الحالات الخطيرة.
ويفسّر العلماء أن السفر المكثف خلال موسم الأعياد وعودة التلاميذ إلى المدارس سهّلا من انتشار العدوى، خاصة في ظل تراجع معدلات التطعيم مقارنة بسنوات ما قبل الجائحة.
5000 وفاة و120 ألف حالة دخول مستشفى
حتى الآن، تسببت الإنفلونزا هذا الموسم في وفاة نحو 5000 شخص، ودخول ما يزيد على 120 ألف مريض إلى المستشفيات، وفقًا لتقديرات رسمية.
الوفيات لا تقتصر على كبار السن أو مرضى القلب والرئة، بل تشمل أيضًا أطفالًا وشبابًا أصحاء، حيث تم تسجيل وفيات بين الأطفال للمرة الأولى بهذا المعدل منذ بدء تسجيل هذه البيانات في 2004.
ويحذر الأطباء من أن تجاهل الأعراض الأولية أو تأخير تلقي العلاج المضاد للفيروسات يزيد من خطر المضاعفات، خصوصًا لدى المصابين بضعف المناعة أو الأمراض المزمنة.
اللقاح.. حماية مهمة
رغم أن لقاح هذا العام لا يتطابق تمامًا مع السلالة المتحورة K، إلا أن الخبراء يؤكدون أنه لا يزال يوفّر حماية فعّالة ضد المضاعفات الشديدة والوفاة.
اللقاح يحتوي على مكونات تغطي سلالة H3N2 الأصلية، ما يعني أنه يمنح الجسم ذاكرة مناعية تقلل من شدة المرض حال الإصابة.
وتظهر البيانات أن معظم الحالات التي احتاجت إلى دخول المستشفى أو انتهت بالوفاة كانت بين غير الملقحين. ومع ذلك، لا تتجاوز نسبة من حصلوا على اللقاح هذا الموسم 43% من إجمالي البالغين والأطفال، وهو ما يراه المختصون أحد أسباب اتساع انتشار العدوى.
هل ما زال الوقت مناسبًا للحصول على اللقاح؟
الإجابة: نعم.يؤكد الأطباء أن موسم الإنفلونزا يمتد حتى الربيع، وما زال بالإمكان الحصول على اللقاح والاستفادة منه، بشرط إعطائه قبل التعرّض للعدوى بمدة كافية، إذ يحتاج الجسم نحو أسبوعين لتكوين المناعة اللازمة.
إلى جانب التطعيم، تبقى الإجراءات الوقائية التقليدية حائط الدفاع الأول: غسل اليدين جيدًا، وتجنب لمس الوجه، والابتعاد عن المصابين، وارتداء الكمامة في الأماكن المغلقة أو المزدحمة.وفي حال الإصابة، ينصح الأطباء ببدء العلاج المضاد للفيروسات خلال أول 48 ساعة من ظهور الأعراض لتقليل شدة المرض وتسريع التعافي.