في السنوات الأخيرة، تصاعدت التحذيرات الطبية بشأن استخدام بعض الأدوية التي تُوصف لعلاج اضطرابات القلق أو الأرق، بعد أن تبيّن أن هذه العقاقير قد تؤدي إلى اعتماد جسدي ونفسي خطير عند استخدامها لفترات طويلة. المفاجأة أن كثيرين من المرضى لا يدركون أن العلاج الذي بدأ بجرعة صغيرة للتهدئة أو لتحسين النوم، يمكن أن يتحوّل إلى دائرة يصعب الخروج منها.
وفقًا لتقرير نشره موقع Medscape UK، فقد شددت وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية على ضرورة إدراج تحذيرات أكثر وضوحًا حول مخاطر الإدمان والانسحاب المرتبطة بعدد من الأدوية المثبطة للجهاز العصبي المركزي، والتي تُستخدم عادة لعلاج الألم المزمن أو اضطرابات القلق أو الأرق.
لماذا هذه التحذيرات الآن؟
خلال السنوات الماضية، لاحظت لجان المراجعة الطبية ارتفاع عدد المرضى الذين يتناولون هذه الأدوية لفترات تتجاوز الحدود المسموح بها طبيًا. وعندما يحاول المريض التوقف، تظهر أعراض انسحاب مزعجة تشمل الأرق الشديد، الارتجاف، القلق المفرط، وأحيانًا اضطراب ضربات القلب. هذا ما دفع الجهات التنظيمية لإعادة تقييم مدى أمان تلك الفئات الدوائية وفرض تحذيرات أشد صرامة.
ثلاث فئات رئيسية تثير القلق
تُشير البيانات إلى أن هناك ثلاث مجموعات من العقاقير تشترك في هذا الخطر:
- فئة من المنومات الحديثة المعروفة باسم "أدوية النوم السريعة التأثير"
- فئة المهدئات المستخدمة في حالات القلق أو التوتر
- وبعض الأدوية العصبية التي تُستخدم لتسكين الألم المزمن أو ألم الأعصاب.
جميعها تعمل على تقليل نشاط الجهاز العصبي المركزي، ما يجعلها فعّالة على المدى القصير، لكنها قد تُحدث اعتمادًا تدريجيًا مع الاستخدام المطوّل.
آلية الإدمان: كيف يتحول العلاج إلى خطر؟
عند تناول هذه العقاقير لفترة طويلة، يبدأ المخ في الاعتماد عليها لإفراز مواد مهدئة طبيعية. ومع الوقت، تقل قدرة الجسم على الاسترخاء أو النوم دونها، فيحدث ما يُعرف بـ"التحمّل" أي أن المريض يحتاج إلى جرعات أعلى للحصول على نفس التأثير. ومع أي محاولة لتقليل الجرعة، تبدأ أعراض الانسحاب بالظهور.
مؤشرات تدل على الاعتماد الدوائي
العلامات الأولية قد تكون خفية، مثل:
- الرغبة المتزايدة في تناول الجرعة مبكرًا عن موعدها.
- صعوبة التوقف رغم نصيحة الطبيب.
- الشعور بعدم الراحة أو القلق بمجرد تأخير الجرعة.
- ظهور اضطرابات النوم فور محاولة الإقلاع.
- إذا وُجدت هذه العلامات، يجب استشارة الطبيب فورًا لتعديل خطة العلاج بطريقة آمنة وتدريجية.
من هم الأكثر عرضة للمخاطر؟
أوضحت تقارير المراكز العلاجية أن أكثر الفئات عرضة لتطوير اعتماد على هذه الأدوية هم:
الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي مع الإدمان، أو الذين يستخدمون الأدوية دون إشراف طبي دقيق، أو الذين يجمعونها مع الكحول أو مسكنات الألم القوية. كما تزداد المخاطر لدى المرضى الذين يُعانون من اضطرابات القلق المزمنة أو الصدمات النفسية القديمة.
ما الذي أوصت به
طالبت الوكالة البريطانية بتعديل نشرات معلومات المرضى لتتضمن تحذيرات صريحة حول الاعتماد والإدمان، وتعليمات واضحة عن كيفية التوقف التدريجي الآمن. كما تم توجيه الأطباء إلى تقصير مدة الوصف الدوائي قدر الإمكان، ومراقبة المرضى عن قرب أثناء العلاج.
بدائل أكثر أمانًا
رغم أن الهدف من هذه الأدوية كان في الأصل توفير بدائل أكثر أمانًا للمنومات القديمة، إلا أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن مخاطر الاعتماد متقاربة جدًا. لذلك، ينصح الخبراء اليوم بالبدء بالعلاج السلوكي أولًا، وتقنيات الاسترخاء والتنفس العميق، والعلاج النفسي للقلق والأرق، قبل اللجوء إلى العقاقير. كما أن برامج إعادة التأهيل أظهرت نجاحًا واضحًا في مساعدة المرضى على التخلص من الاعتماد الدوائي بشكل منظم وتحت إشراف طبي.
توصيات الأطباء
التحذيرات الجديدة لا تعني أن هذه الأدوية بلا فائدة، بل تشير إلى ضرورة الاستخدام المسؤول والواعي. المطلوب هو تعزيز التواصل بين الطبيب والمريض، ووضع خطة زمنية واضحة للعلاج تتضمن مرحلة للإيقاف التدريجي منذ البداية. كذلك، يُنصح العاملون في الرعاية الصحية بالحصول على تدريب متخصص في التعامل مع حالات الاعتماد الدوائي لتجنب المضاعفات.