عندما بزغ نجم واشنطن في العالم، مع منتصف الأربعينات من القرن الماضي، أدارت علاقتها مع محيطها الدولي، عبر مسارين متوازيين، أولها بناء تحالفات، قائمة على الموالاة المطلقة لها، مقابل بعض المزايا، بينما تبنت في مسار آخر، نهجا يعتمد على تخويف الخصوم، سواء عبر الحشد الدولي ضدهم، أو ممارسة سياسات من شأنها التضييق الاقتصادي عليهم، وعلى رأسها العقوبات، وحتى التدخل العسكري المباشر، وهو ما حدث في فيتنام وبنما، وأفغانستان والعراق، وغيرهم، والملاحظ في المسارين سالفي الذكر أنهما لا يتداخلان، فالتصعيد مع الخصوم مرتبط بحماية الحلفاء، وكان مشروطا بابتعاد مناطق الصراع جغرافيا عن مناطقهم، بما يضمن أكبر قدر من الأمان الجغرافي لهم، إلا أن الأمور ربما باتت مختلفة، سواء في إدارة العلاقة مع الحلفاء أو الخصوم، في ظل رؤية تبدو مختلفة جذريا عن الرؤى التقليدية التي تبنتها واشنطن لعقود طويلة من الزمن، فالخصوم لم يعودوا، على الأقل في المرحلة الراهنة، يشكلون الخطر الحقيقي، بينما الحلفاء أصبحوا عبئا من شأنه إضعاف مكانة أمريكا الدولية.
الظروف الحالية، في إطار الرؤية الأمريكية لموقعها في المجتمع الدولي، فرضت تحولا في النهج الأمريكي، اعتمد في الأساس ما يمكننا تسميته بـ"تصدير الخوف"، والمفارقة الملفتة أنها ليست موجهة للخصوم، وإنما للحلفاء، والهدف الرئيسي من وراء ذلك إجبارهم على تقديم التنازلات فيما يتعلق بالعديد من الثوابت التي أرستها واشنطن نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سواء فيما يتعلق بالمزايا المرتبطة بالاقتصاد والتجارة، أو حتى في طبيعة العلاقة، التي كانت تحمل صبغة "الندية"، وإن كانت في جوهرها مجرد قشرة تغطي إرثا طويلا من التبعية المطلقة، ساهمت في إذابة أي دور محتمل للحلفاء، والذين يشكلون في مجملهم القوى العظمى في العالم القديم (قبل مرحلة الحروب العالمية) لصالح قوى واحدة وهي الولايات المتحدة.
ولعل مفهوم الخوف، كمنتج تسعى قوى معينة إلى تصديره، يتطلب، بمعادلات التجارة التقليدية، أن يكون لديها حالة اكتفاء، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تحركات واشنطن في السنوات الأخيرة، بدءً من سياسة الشيطنة المتبادلة بين الحزبين الرئيسيين، مرورا بالحملات القوية التي استهدفت المهاجرين، وحتى ما سبق ذلك من بزوغ ظاهرة "الإسلاموفوبيا" من قلب أمريكا نفسها، وصولا إلى الأحداث الأخيرة في فنزويلا، والمرشحة للتفاقم الإقليمي حال طالت تداعياتها دولا أخرى، بمثابة محاولات لتحقيق الاكتفاء في الداخل، مقابل تصديره لدولا أخرى.
فلو نظرنا إلى التصعيد الأخير في فنزويلا، نجد أنها تخلق مبررات قوية لصانع القرار الأمريكي، لاتخاذ مزيد من الإجراءات الأمنية والاقتصادية، لحماية الداخل من التداعيات المترتبة عليه، تطال في جوهرها العديد من الثوابت تجاه الحلفاء، حيث ترتبط في جزء منها بالناتو، والالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه أوروبا الغربية، وفي جزء آخر، ترتبط بالاقتصاد، عبر مزيد من الرسوم على الواردات أو غير ذلك من الإجراءات التي تجرد الحلفاء من المزايا التي طالما تمتعوا بها لعقود طويلة من الزمن.
وفي الواقع، الأمور لا تتوقف عند هذا الحد، بلأنها تفتح الباب أمام مقايضات جيوسياسية بين القوى العظمى وحلفائها، لتصبح السيادة موضوعا للمناقشة على مائدة التفاوض، مقابل ما سيحصلون عليه منها، وهو ما يبدو في الإصرار على ضم جزيرة جرينلاند في الدنمارك، وقد يمتد إلى مناطق أخرى، وهو ما يمثل امتدادا للعرض الأول الذي قدمه الرئيس دونالد ترامب، عندما دعا إلى شرائها، في محاولة لخلق صيغة سياسية جديدة تقوم على التنازل عن السيادة، عبر "البيع والشراء".
وهنا يصبح الخوف بمثابة ضرورة ملحة، في إدارة علاقة واشنطن بحلفائها، ليس فقط في إطار التجرد من الالتزامات الملقاة على عاتقها، وإنما أيضا في إطار "إعادة تسعير" ما يمكنها تقديمه من مزايا لهم، وهو الأمر الذي يتنافى تماما في العلاقة مع الخصوم، والذين لا يشكلون في واقع الأمر عبئا على أمريكا، على الأقل في اللحظة الراهنة، وإنما، وللمفارقة، بإمكانهم تحقيق سوابق، قد تساهم في خلق أعراف دولية جديدة، من شأنها تعزيز الرؤى الأمريكية، على غرار قبول البيت الأبيض بضم أراض أوكرانية إلى روسيا، وكذلك مباركة أي تحرك صيني تجاه تايوان، رغم أن الحالة الأخيرة مختلفة جذريا عن الطموحات الأمريكية في ضوء سياسة "الصين الواحدة" التي تمثل أحد ثوابت دبلوماسية بكين الغير قابلة للتفاوض بأي حال من الأحوال.
وهنا يمكننا القول بأن سياسة "تصدير الخوف" في واقع الأمر، لم تعد مجرد أداة عابرة، في إطار داخلي أو مجتمعي، وإنما أصبح جزءً لا يتجزأ من إدارة العلاقات الدولية ليس فقط في إطار العلاقة مع الخصوم، بل تحول بصورة أكبر نحو الحلفاء، وهو ما يعكس تحولا أعمق في دور القيادة العالمية، من نظام قائم على الالتزامات والقواعد، إلى توازنات مرنة تقوم على المقايضة وإعادة التسعير، فحين يصبح الخوف شرطا لإعادة تعريف الحماية، وتتحول السيادة إلى بند قابل للتفاوض، فإن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة، لا تقاس فيها القوة بقدرتها على فرض الاستقرار، بل بقدرتها على إدارة الاضطراب والتحكم في مساراته، بينما يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا النهج قادرا على إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية بصيغة مختلفة، أم أنه يفتح الباب أمام عالم أكثر سيولة، تتآكل فيه التحالفات، وتُختبر فيه القواعد، دون ضمانة حقيقية بأن من يصدر الخوف سيبقى بمنأى عن ارتداداته.