تحل اليوم ذكرى اغتيال عباس باشا الأول عام 1854 ، وكان عباس باشا يريد حرمان عمه سعيد من الملْك بعده ليكون لابنه إلهامي فأتت المقادير على عكس ما أراد؛ إذ قُتل فجأة في قصره في بِنْها، وكان ابنه إلهامي غائبًا عن الديار المصرية، فورث الملْك سعيد باشا دون أدنى معارضة، وذلك في يوليو سنة 1854 ميلادية وفقا لسليم حسن وعمر الإسكندري.
يذكر سليم حسن وعمر الإسكندري، في كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر، أن الشائعات كثرت عن سبب مقتل عباس باشا الأول؛ فالمتداول على الألسن أن خصيين قتلاه خنقًا وهو نائم في فراشه. وقال آخرون إنه قُتل بإيعاز بعض أقربائه الذين كانوا يريدون نزعه من ولاية الملك، وهناك فريق آخر يَعزي سبب قتله إلى أسباب سياسية، وكُتم خبر موته عدة أيام، ثم نُقلت جثته من بنها إلى قصره بالعباسية، ومنها نُقلت إلى مقرها الأخير بقرافة الإمام الشافعي بالقاهرة.
تولى الملْك عباس باشا الأول ابن طوسون بن محمد علي حكم مصر في 24 نوفمبر سنة 1848 وكان إذ ذاك يناهز السادسة والثلاثين من عمره، فكان أول عمل قام به أن هدم كل ما أفنى فيه جدُّه العظيم زهرة حياته، غير مفرِّق بين النافع والضار؛ فكما قضى على احتكار التجارة المجحف بحق الفلاح، نقص الجيش إلى تسعة آلاف، وأغلق المعامل والمدارس، واستغنى عن كثير من الموظفين الغربيين، وأظهر ميله إلى العادات والأنظمة التركية والبلدية.
مضى عباس باشا معظم حكمه بمعزلٍ عن الناس، متهاونًا في شئون الملْك، غير مكترث بما في ذلك من الضرر. ولعل له عذرًا في ذلك؛ إذ إنه لمَّا شاهد فشل حروب الشام بقيادة إبراهيم باشا، ورأى سقوط جده الكبير والقضاء على كل آماله، رأى أنه من العبث مقاومة أوروبا، وأدرك أن البلاد في حاجة إلى السكينة والراحة، وأن لا داعي إلى المظاهر الأوروبية الكاذبة التي كان يعتقد أنها تسربت إلى مصر قبل ميعادها كما يذكر سليم حسن وعمر الإسكندري.
تلك كانت خطته. ولما رأى أنه يحيط به قطيع من الذئاب الغربية، وطائفة من الموظفين المتملقين الذين لا همَّ لهم إلا جمع الثروة من حوله، اعتزل جميعهم إلا نفرًا قليلًا من سفراء الدول وخدمه الخاصة؛ فكانت حياته سرًّا غامضًا. وقد ذمَّه كثيرون من أجل ذلك، ولكن كفاه فخرًا أنه خلَّص الأمة من نهب الأجانب في مدة حكمه، ولم يُثقل كاهلها بشيء من الديون كما فعل غيره من بعده.
وفي أيامه أُنشأ أول خط حديدي في مصر، بل في ممالك الشرق بأجمعها؛ وذلك هو الخط الممتد بين الإسكندرية والقاهرة، وقد قام بهذا المشروع روبرت ستيفنسن مخترع القُطُر البخارية؛ إذ أخذ على عاتقه جلب كل المهمات اللازمة لمَدِّه، وابتدأ العمل سنة 1852 ميلادية وتمَّمه في عام 1858 وكان الموعز لمدِّ هذه السكة الحكومة الإنجليزية لتسهيل نقل البريد والمسافرين بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، وقد عارضت في الأمر الحكومة الفرنسية؛ فسبَّب ذلك بعض التأخير في إنجاز المشروع.