رواية "متاهة الأوهام" للكاتب المغربي محمد سعيد أحجيوج، والصادرة عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل"، تطرح في الذهن ذلك السؤال الذي طرحه بورخيس ذات مرة حول طبيعة المتاهة الحقيقية، هل هي تلك التي تقودك إلى مكان محدد أم تلك التي تبقيك تائهًا إلى الأبد؟ ورواية أحجيوج تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني، لكنها تضيف بُعدًا جديدًا على هذا السؤال الوجودي من خلال جعل التيه نفسه مادة للكتابة والكتابة مادة للتيه.
ما نواجهه في هذا العمل ليس مجرد رواية تحكي قصة، بل نصًا يتأمل في عملية نشوئه، كما لو أننا نشاهد كاتبًا وهو يصارع مع أفكاره على الورق، ثم نكتشف أن هذا الصراع نفسه يصبح موضوع الرواية، ثم نكتشف أن الروائي يعي هذا التداخل ويجعله جزءًا من لعبته السردية.
هذا التعقد في المستويات يذكرني بتجارب إيتالو كالفينو في "إذا كان مسافر في ليلة شتاء"، لكن احجيوج يدفع اللعبة أبعد من ذلك ليجعل الحدود بين الكاتب والشخصية، بين الواقع والنص، أكثر ضبابية وإثارة للحيرة.
الرواية تبدأ بثلاث نسخ من "محمد" يعيش كل منها في عالم موازٍ، وكلها تواجه نفس المعضلة الجوهرية، كيف يحافظ الكاتب على استقلاليته الإبداعية في عالم يحاول توجيه قلمه؟ هذا السؤال ليس جديدًا في تاريخ الأدب، لكن الطريقة التي يطرحه بها احجيوج جديدة ومثيرة، فبدلًا من أن يحكي لنا عن كاتب يواجه ضغوطًا خارجية، يضعنا داخل وعي هذا الكاتب ليعيش الضغوط معه، بل ويشاركه في عملية اتخاذ القرارات المصيرية.
المكالمات الهاتفية الغامضة التي تتكرر في الكتاب الأول تعمل كخيط رفيع يشد القارئ إلى عمق النص، لكنها في الوقت نفسه تشكل استعارة بارعة لكل تلك الأصوات الخارجية التي تحاول التدخل في عملية الإبداع، الصوت الأنثوي الذي يعرف تفاصيل حياة الكاتب الحميمة، والذي يظهر ويختفي بغموض، يمكن قراءته على مستويات عديدة، هو صوت الإلهام المتقطع، وصوت الإغراء التجاري، وصوت الضمير الذي يذكر الكاتب بمسؤولياته. هذا التعدد في الاحتمالات التأويلية يجعل النص خصبًا ومفتوحًا على قراءات متنوعة.
حين ينتقل بنا أحجيوج إلى مكتب العميد في مديرية مراقبة التراب الوطني (جهاز المخابرات الداخلية في المغرب)، نجد أنفسنا أمام مشهد يبدو خارجًا من رواية جاسوسية تقليدية، لكن توظيفه هنا مختلف تمامًا. العميد لا يريد من الكاتب أن يتوقف عن الكتابة، بل يريده أن يكتب نوعًا مختلفًا من الكتابة، كتابة تخدم أجندة معينة. هذا التفصيل مهم لأنه يكشف عن فهم عميق لطبيعة الرقابة المعاصرة، فهي لا تمنع الكتابة بقدر ما تحاول توجيهها وترويضها.
الحوار الذي يدور بين الكاتب والعميد يمكن قراءته كحوار رمزي بين الإبداع الحر والسلطة، لكنه أيضًا حوار حقيقي جدًا وملموس، يعكس تجارب كثيرة عاشها كتاب عرب في سياقات مختلفة.
ما يجعل هذا المشهد أكثر تعقيدًا هو أن العميد نفسه يبدو مثقفًا ومتذوقًا للأدب، وهو يعرض على الكاتب ليس فقط المال والجائزة، بل أيضًا قصة حقيقية مثيرة ليحولها إلى رواية، هنا يطرح أحجيوج سؤالًا أخلاقيًا معقدًا، إذا كانت القصة المقترحة جيدة فعلًا، وإذا كان المقابل مغريًا، وإذا كان البديل هو الصمت أو المواجهة القاسية، فما هو الخيار الأخلاقي؟
الكتاب الثاني يأخذنا إلى عالم النشر، وهنا نواجه نوعًا آخر من الضغط، ضغط السوق والربحية. الحوار مع الناشر مكتوب بذكاء بالغ، فهو يقدم كل الانتقادات المحتملة للرواية التجريبية بصوت واقعي ومقنع. الناشر ليس شخصية كاريكاتورية شريرة، بل رجل أعمال له همومه ومبرراته الواقعية. عندما يقول للكاتب أن القراء يريدون حكايات بسيطة ولغة شعرية فخمة، فهو لا يكذب، هذا فعلًا ما يطلبه جزء كبير من الجمهور، لكن أحجيوج من خلال هذا الحوار يطرح سؤالًا مهمًا حول مسؤولية الكاتب، هل عليه أن يلبي رغبات الجمهور أم أن يحاول تطوير ذائقته؟
الجميل في هذا الحوار أنه لا يقدم إجابة قاطعة، بل يترك السؤال مفتوحًا. حتى الكاتب نفسه في الرواية يبدو مترددًا أحيانًا، وهذا التردد إنساني وصادق. فكثير من الكتاب يواجهون هذه المعضلة يوميًا، بين الرغبة في التجريب والحاجة إلى الوصول لجمهور أوسع، بين الطموح الفني والضرورات المعيشية.
في الكتاب الثالث، تتغير القواعد كليًا. نجد أنفسنا مع بطل لا يعرف من هو، مكلف بالعثور على كاتب مفقود يحمل اسم المؤلف نفسه. هذا التطور يأخذ الرواية إلى أبعاد ميتافيزيقية جديدة، كما لو أن احجيوج يقول لنا أن المشكلة ليست في الضغوط الخارجية فقط، بل في أزمة الهوية نفسها. من هو الكاتب؟ وما هي حدود شخصيته؟ وأين تنتهي هويته الحقيقية وتبدأ الشخصية الأدبية التي يخلقها؟
هذا النوع من التساؤل الوجودي يتقاطع مع تجارب بول أوستر، خاصة في ثلاثيته "مدينة الزجاج"، لكن احجيوج يضيف عليه بعدًا عربيًا خاصًا، فالكاتب المفقود هنا ليس مجرد شخصية أدبية، بل رمز للمثقف العربي الذي فقد بوصلته في عالم متغير، البحث عنه يصبح بحثًا عن الهوية الثقافية المفقودة، عن دور المثقف في مجتمع يمر بتحولات عاصفة.
المشاهد التي تتخذ مكانها في المستشفى النفسي تضيف طبقة أخرى من التعقيد، هل الكاتب مريض فعلًا أم أن المرض هو الطريقة التي يراه بها المجتمع؟ وهل تجاربه مع العلاج بالكهرباء استعارة للمحاولات العنيفة لغسل دماغ المثقفين وإعادة برمجتهم؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة، خاصة حين نقرأ الوثائق السرية المضمنة في النص والتي تتحدث عن التجارب النفسية.
ما يميز "متاهة الأوهام" عن كثير من التجارب السردية المعقدة هو أنها لا تتعقد لمجرد التعقيد، بل لأن التعقيد ضروري للتعبير عن حالة معقدة فعلًا. احجيوج يكتب عن عصر تختلط فيه الحقائق بالأكاذيب، والواقع بالخيال، والذكريات بالتلفيقات. في هذا السياق، يصبح السرد الخطي التقليدي غير كافٍ، لأنه لا يستطيع أن يحمل هذا التعقد في الخبرة الإنسانية المعاصرة.
الرواية تطرح أيضًا أسئلة مهمة حول العلاقة بين الكاتب والنص. من يخلق من؟ هل الكاتب هو الذي يخلق الشخصيات أم أن الشخصيات هي التي تخلق الكاتب؟ وماذا يحدث عندما تصبح هذه الحدود غامضة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد ألعاب فلسفية، بل لها أبعاد عملية مهمة في فهم طبيعة الإبداع وتأثيره على صاحبه.
في الختام، ما يمكنني قوله إن رواية "متاهة الأوهام" عمل جريء ومتماسك رغم تعقيده الظاهر، إنه يحتاج إلى قارئ صبور ومتأنٍ، لكنه يكافئ هذا القارئ بتجربة فريدة وثرية، الرواية تفتح حوارًا ضروريًا حول مستقبل الأدب العربي وإمكانياته، وهي تثبت أن التجريب ليس مجرد موضة، بل ضرورة للتعبير عن واقع متغير ومعقد، وقد لا تناسب كل الأذواق، لكنها بالتأكيد تستحق الاهتمام والتقدير لجرأتها وأصالتها وعمق أسئلتها.