لو تم إتهامك عزيزى القارئ بأنك قتلت طفلتين، وأنتَ بريء، والسجّان أدرك براءتك، وطَلبَ منك أن تسمح له بتهريبك ؟ هل ستهرب ؟! أم سترفض الهروب مثل السجين "چون كوڤى"، الذى اختار أن يتم إعدامه للهروب من هذه الحياة المليئة بالظلم والشر بين البشر!!
هذه الأفكار يطرحها الفيلم الأمريكى The Green Mile الذى شاهدته مؤخرًا، تم إنتاجه خلال عام 1999، بطولة الفنان العالمى الكبير المحترف "توم هانكس"، يتحدث الفيلم عن الظلم والشر فى هذه الحياة.. ويطرح فكرة مؤلمة، وهى أن الطيبون قد يستسلمون للموت، للهروب من الشر والأشرار..
يظهر خلال الفيلم الضابط "بول"، يعمل بسجن لتنفيذ حُكم الإعدام، وكان مسؤولًا عن محكوم عليهم بالإعدام، أرضية العنبر كان لونها أخضر، لذلك تم تسمية الفيلم بهذا الاسم.. ذات يوم، وصل إلى السجن أضخم سجين رآه الضابط "بول" فى حياته، "چون كوڤى"، ذو البشرة السمراء، المحكوم عليه بالإعدام، لاتهامه باغتصاب وقتل طفلتين، حيث شاهده العديد من السكان فى القرية يجلس على الأرض وبجواره الطفلتين مقتولتين، وكان يقول وهو يبكى: "لم أستطِع مساعدتهما"!!..
"چون كوڤى" كان سجين هادئ، مُطيع، وكان دائمًا يبكى، خلال الفيلم، تظهر قوة خارقة يتمتع بها السجين "چون"، وهى قدرته السحرية على علاج المرضى، الضابط "بول" كان يعانى من مرض مزعج، كان يَتَبَوَّل بصعوبة شديدة، قام السجين "چون" بقدراته السحرية الخارقة بعلاج الضابط، وتماثل للشفاء، وتعافى بالفعل..
كان يوجد فأر فى السجن، كان صديق أحد المسجونين، فيظهر ضابط شرير يُدعى "بيرسي" ويقتل الفأر دهسًا بقدمه، يطلب "چون" من الضابط "بول" أن يضع الفأر فى قبضه يده، وبالفعل يُحيى "چون" الفأر و يُعيده إلى الحياة.. ثم يطلُب "بول" من "چون" أن يُعالج زوجة صديقه "ميليندا" التى تعانى بسبب ورم فى المخ، وبالفعل يعالجها بقدرته الخارقة السحرية، وتتماثل للشفاء وتتعافى..
بقدرات "چون كوڤى" السحرية، بمعجزته، يعرف الضابط "بول" أن هذا السجين بريء، وقاتل الطفلتين شخص آخر كان صديق والدهما، وكان يتردد كثيرًا على المنزل.. كان سجين فى نفس السجن.. يُدعى "وارتون".. اغتصب الطفلتين وقَتَلَهُما، حاول "چون" أن يُعيدهُما إلى الحياة، لكنه فشل، لذلك رآه أهالى القرية مع الطفلتين باكيًا ويقول: "لم أستطِع إنقاذهُما".. تم حبس "وارتون" فى نفس السجن بسبب جرائم بشعة أخرى ارتكبها، هذا الشرير يتخلص منه "چون".. من خلال الضابط الشرير "بيرسي" الذى قتله بعدة طلقات من مسدسه..
"توم هانكس".. يؤدى دور الضابط الإنسان الطيّب.. الذى يشعُر بمَن حولُه.. يشعُر بالطيبين أصحاب القلوب الطيّبة.. يُحاول تحقيق العدالة.. يحاول إقناع "چون" أنه يستطيع تهريبه من السجن، لأنه بريء، ولأنه يمتلك قدرات خارقة تُحيى الموتى وتشفى المرضى، الضابط "بول" يرى أن موت "چون" سيكون خسارة كبيرة، لكن "چون" يرفض الهروب، لأنه يرى أن الشر فى هذه الحياة قوي.. الشر يسيطر على العالم.. ويصعُب الانتصار عليه..
خلال الفيلم، يقول السجين "چون كوڤى": أريد أن ينتهى هذا الأمر.. أريد الموت.. لأننى سئمت من الوحدة والظُلم والشر.. العالم مليء بالكُره وأريد من قلبي أن أترك هذه الحياة الظالمة.. لم يَظهَر خلال الفيلم أسرة أو زوجة أو أطفال أو حبيبة أو حتى أصدقاء لـ"چون"!!، لذلك يشعُر أنه لا يوجد من يَستحِق أن يعيش من أجلُه.. يُوضّح لنا السجين "چون كوڤى" أن الإنسان قد يُفَضِّل أن يعيش مظلوم، ويرفُض مساعدة من حولُه، ويستسلِم للإعدام، لأنه سئِمَ من هذه الحياة، وما بها من أشرار..
الفيلم يطرَح فكرة مؤلمة، أن الحياة مليئة بالظُلم والكَذِب والخداع والمكر، ولابد أن يتقبَّل الإنسان هذا الواقع، لأن لا مفر منه، ولا يُمكِن التخلُّص من كل هذا الشر الموجود فى الحياة.. الفيلم يطرَح حقيقة تُحطِّم القلوب.. وهى أن أصحاب القلوب الطيِّبة غير قادرين على تحمُّل كل هذا الشر الموجود في الحياة.. يُفضِّلون الرحيل والابتعاد، وترك هذه الحياة بدون أى تمسُّك أو مقاومة للشر أو للواقع.. الطيّبون يرحلون بسُرعة، لأن هذه الحياة المليئة بالأشرار، غير مناسبة لقلوبهم وأرواحهم الطيبة.. الفيلم يؤكد أن الحُب الذى نستقبله من الأسرة والأصدقاء يجعلنا قادرين على الاستمرار في هذه الحياة.. وبدون الحُب نستسلِم للموت، لشعورنا بعدم وجود من يستحق أن نعيش من أجلُه..