كواليس صناعة السلام في غرف هلسنكى المغلقة.. كيف ترمم "مؤسسة مارتي أهتيساري" شروخ الحروب من فلسطين والسودان بعيداً عن صخب الأضواء؟.. والذكاء الاصطناعي يدخل خط المواجهة كقوة بيضاء

الأربعاء، 20 مايو 2026 10:00 ص
كواليس صناعة السلام في غرف هلسنكى المغلقة.. كيف ترمم "مؤسسة مارتي أهتيساري" شروخ الحروب من فلسطين والسودان بعيداً عن صخب الأضواء؟.. والذكاء الاصطناعي يدخل خط المواجهة كقوة بيضاء مارتي أهتيساري

رسالة فنلندا: هناء أبو العز

بينما تنشغل الكاميرات الدولية بقمم الزعماء، وتتسابق وسائل الإعلام لرصد صخب اللقاءات الرسمية، هناك في أقصى الشمال الأوروبي، وتحديداً في العاصمة الفنلندية "هلسنكي"، غرف هادئة تدار خلف أبوابها المغلقة هندسة من نوع خاص، هندسة يصنع فيها السلام بصبر يشبه النحت في الصخر.

هنا، داخل مقر مؤسسة مارتي أهتيساري للسلام (CMI)، يتحرك الخبراء والدبلوماسيون في المساحات الرمادية وغير الرسمية، بعيداً عن البروتوكولات والخطوط الحمراء، حيث يمكن للخصوم والأطراف المتنازعة أن يتخففوا من عبء مناصبهم الرسمية، ويتجردوا من حساباتهم السياسية المعقدة ليتحدثوا كبشر يبحثون عن مخرج لبلادهم من مستنقعات الدمار.

رئيسية

 

حلول لوساطة السلام من فنلندا والنظام البيئي الفنلندي لتسوية النزاعات
 

وفي إطار برنامج زيارة الصحفيين الدوليين لهلسنكي المنعقد تحت عنوان "حلول لوساطة السلام من فنلندا والنظام البيئي الفنلندي لتسوية النزاعات"، والتي تنظمها وزارة الشؤون الخارجية الفنلندية في العاصمة هلسنكي، لاستعراض الابتكارات الفنلندية في مجالات بناء السلام، والوساطة الدولية، وتحقيق الاستقرار، فتحت المؤسسة الأبرز عالمياً في حل النزاعات أبوابها لـ "اليوم السابع"، ليكشف مسؤولوها وقادتها في لقاء ممتد ومكثف عن كواليس العمل السري في أكثر بؤر العالم اشتعالاً، وعلى رأسها فلسطين والسودان، مستندين في تحركاتهم الدبلوماسية إلى إرث ملهم تركه مؤسسهم الرئيس الفنلندي الأسبق الراحل "مارتي أهتيساري"، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2008.

تجارب نجاح تاريخية لمؤسسة مارتي للسلام

وحول تجارب النجاح التاريخية للمؤسسة، تستحضر ماريا ليك ، مسئولة التواصل بالمؤسسة، ملفات بارزة منها إقليم "غاغاوزيا" ذو الحكم الذاتي في مولدوفا، حيث نجحت المؤسسة عبر 10 سنوات من تسهيل حوار برلماني وسياسي مكثف في منع تصعيد الصراع وتحصين السلم الأهلي بشكل حظي بإشادة واعتراف رسمي من رئيس مولدوفا مؤخراً.

كذلك يبرز دور المؤسسة في الكواليس والمسارات غير الرسمية لدعم جهود الاتحاد الإفريقي، وتجربتها الإنسانية الملهمة في جنوب السودان، حيث ركزت (CMI) على إشراك البرلمانيات النساء ومجموعات الشباب في الحوارات غير الرسمية، وهو ما ترجم لاحقاً في اتفاق السلام الرسمي الذي سجل خطوة تاريخية بجعل النساء يشكلن 33% من الموقعين والمشاركين، وإدراج قضايا الشباب الجوهرية في متن الاتفاق.

سانا مدير أول مؤسسة مارتي أهتيساري للسلام
سانا مدير أول مؤسسة مارتي أهتيساري للسلام

 

الميزان الفلسطيني: تحصين الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية كممر إجباري لطاولة المفاوضات
 

وتحدث  مسؤولو (CMI) عن الملف الفلسطيني، حيث أشاروا الي انهم يمتلكون رؤية متجذرة يعود تاريخها إلى عام 2010، حين انصب تركيز المؤسسة على معالجة الشرخ الأخطر في الجسد الفلسطيني وهو "ملف المصالحة والوحدة الوطنية الداخلية".

و أوضحت سانا كيستاكلو،  المديرة الأولي بمؤسسة مارتي أهتيساري،  لـ "اليوم السابع" فلسفتهم الخاصة تجاه هذا الملف  قائلة: نحن منظمة مستقلة تماماً ، لا نملك أوراق ضغط سياسية، ولا نقدم حوافز مادية أو اقتصادية، كما أننا لا نمارس ضغوطاً من أي نوع على أي طرف، القوة الحقيقية والوحيدة التي نملكها ونضعها على الطاولة هي بناء القدرات، ومحاولة خلق مساحات آمنة ومحايدة للوحدة حيثما كانت مفقودة، ونظن أننا نتفق جميعاً على أن أحد أكبر نقاط الضعف والوهن في هذا الصراع التاريخي الممتد هو الانقسام الفلسطيني الداخلي.

و أضافت كيستاكلو،أن هذا الانقسام ليس مجرد خيار سياسي اتخذته الأطراف، بل هو في المقام الأول نتاج مباشر للإجراءات والسياسات الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن واقع التمزق الجغرافي القاسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وحقيقة أن جزءاً ضخماً من الشعب الفلسطيني يعيش في الشتات خارج البلاد، لذلك، فإن ما نفعله منذ نحو 10 سنوات هو خلق مساحات آمنة تلتقي فيها مختلف الفصائل الفلسطينية من غزة والضفة والشتات للنظر في المسائل المتعلقة بالوحدة الوطنية وتقديم توصيات ملموسة للغاية لكيفية دفع هذا الملف للأمام لبلورة رؤى وطنية مستدامة للمستقبل".

كما شددت  على أن هذه الخطوة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأي مفاوضات مستقبلية قد تحدث بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فبدون جبهة موحدة وقوية، يكون من الصعب جداً التفاوض بفعالية، وحتى لو تم تشكيل فريق تفاوضي رسمي في ظل غياب الإجماع الداخلي، فإن أي اتفاق سيتم التوصل إليه سيكون هشاً وضعيفاً بسبب خلل موازين القوى الفادح على الأرض، ومن هنا ينطلق نهج المؤسسة: تحصين الجبهة الداخلية أولاً كشرط أساسي لضمان حلول قادرة على الصمود.
أما الملف الأحدث والأكبر الذي بدأت المؤسسة الاستثمار فيه داخل الأراضي الفلسطينية، فهو قطاع الشباب، حيث تؤكد جوهانا بوتانين، رئيسة قسم الشمول والابتكار الرقمي بالمؤسسة، أن (CMI) تعمل على دعم قدرات الشباب في مختلف الأراضي الفلسطينية لزيادة بناء الثقة على المستوى المحلي وتمكينهم من المساهمة في العملية السياسية.

أهمية دعم دور الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط

وفي سياق متصل، كشف مسؤولو المؤسسة  من بينهم ماريا ليك مسئولة الاتصال بالمؤسسة لـ "اليوم السابع" عن دورهم الحالي في دعم القنوات الدولية، مشيرين إلى أنهم يدعمون بقوة دور الاتحاد الأوروبي ومبعوثيه الخاصين في الشرق الأوسط، وتحديداً في إطار جهود "التحالف الدولي لحل الدولتين"، وتضم هذه الجهود دعم "مجموعة استشارية نسائية" من المنطقة لبحث كيفية مشاركة النساء بفعالية في التأسيس النهائي لحل الدولتين.

معضلة السودان: كيف يتحول "أصحاب القضية" إلى قيد يكبل مسارات السلام؟

وانتقل النقاش إلى الملف السوداني المشتعل، حيث أقر مسؤولو المؤسسة بصراحة بالغة بتعقيد الوضع السوداني، مشيرين إلى أن بوصلة عملهم تنحاز بشكل كامل ومبدئي نحو الطرف المدني في المعادلة، موضحين: نحن نعلم جميعاً أن من فجر  ديناميكية التغيير الحقيقي وأطلق شرارة الأمل في السودان هم الفاعلون المدنيون ومطالبتهم المشروعة بنظام جديد تماماً لإدارة البلاد، لكن في الوقت الحالي، يعاني المشهد المدني للأسف من انقسام شديد، الأمر الذي يضعف موقفهم، لذلك، تركزت كل جهودنا في الوقت الراهن على تسهيل الحوار الداخلي بين القوى والفاعلين المدنيين السودانيين.
الملف الروسي الاوكراني

أما عن ملف الروسي الأوكراني، فقد حسم مسؤولو المؤسسة الموقف ، حول وجود قنوات مفتوحة حالياً، مؤكدين أن المؤسسة ككيان مستقل لا تمتلك حالياً أي قنوات اتصال أو حوارات قائمة مع الجانب الروسي، وأن ملف الوساطة الكبرى يدار حالياً على مستويات دولية رسمية ومختلفة تماماً تخرج عن نطاق عملهم غير الرسمي.
لكن قيمة المؤسسة المضافة تتركز في الملف الأوكراني الداخلي من خلال برامج واسعة النطاق لدعم التماسك الاجتماعي، وتسهيل الحوار بين الخبراء الأوكرانيين والفاعلين في المجتمع المدني لضمان بقاء قنوات التواصل المعرفي والإنساني مفتوحة بين الداخل الأوكراني وبقية دول العالم، وفهم كيف يرى العالم هذا الصراع عبر مختلف المناطق.

الهندسة السرية لصناعة السلام.. من يطلب عون "CMI"؟

ورداً على سؤال حول الجهات التي تطرق أبواب المؤسسة طلباً للوساطة، كشف المسؤولون أن الخريطة تتباين بشكل مدهش، فالطلبات تأتي من جهات واسعة من الفاعلين تشمل: أحزاباً سياسية متنافسة، منظمات مجتمع مدني، قوى معارضة، وحتى فصائل مسلحة تمتلك السلاح على الأرض في بعض السياقات المعقدة، هذا بالإضافة إلى طلبات رسمية ومحددة تأتي من منظمات إقليمية ودولية شريكة تطلب من المؤسسة تقديم دعم تقني عاجل، أو إرسال بعثات استكشافية لتقصي الحقائق، أو تقديم مقترحات عملية لحل أزمة مستعصية.

أما عن "الهندسة السرية" والخطوات الدقيقة التي تتبعها المؤسسة لبدء أي عملية سلام، فيمكن تلخيصها في مراحل صارمة ومدروسة تبدأ بالتقييم الأولي او ما يسمى العمل المكتبي، حيث يبدأ فور رصد المؤسسة لحاجة لتدخل غير رسمي، أو عند تلقي طلب من طرف ما، و يستغرق هذا العمل البحثي المكتبي عدة أسابيع أو أشهر، ويهدف لفهم الجذور العميقة والتاريخية للنزاع، ثم تبدأ مرحلة البحث عن القيمة المضافة حيث تجري المؤسسة تقييماً داخلياً تجيب فيه على السؤال الحاسم: هل نمتلك الموارد والكفاءات لتشخيص الأزمة وتقديم شيء مختلف وجديد لا تقدمه الأطراف الأخرى؟ لضمان عدم تكرار أو تداخل الجهود مع منظمات أخرى، وهو أمر ترفضه المؤسسة من منطلق أنه يضر بالقضية المحلية ويخلق منتديات متنافسة لا معنى لها.

وأخيرا النزول إلى الأرض وإرسال البعثات حيث تمتلك المؤسسة في مقرها الرئيسي بهلسنكي حوالي 95 موظفاً، لكن قوتها الضاربة تكمن في شبكة مستشاريها المحليين على الأرض، حيث ترسل المؤسسة بعثات يلتقي فيها قادتها بأكبر عدد ممكن من الناس والمؤسسات المحلية والمجتمع المدني، لتعريف أنفسهم وتأكيد مبدأ "عدم إلحاق الضرر"

الثورة البيضاء: الذكاء الاصطناعي يدخل غرف المفاوضات كأداة لتعزيز الإنسانية والنزاهة
 

وكشفت جوهانا بوتانين، رئيسة قسم الشمول والابتكار الرقمي بمؤسسة (CMI)، عن اقتحام التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لساحات الحوار عبر مفهوم جديد تقوده المؤسسة بجرأة يسمى "صناعة السلام الرقمي" .

وأكدت بوتانين على القدرة التحولية الكبيرة للمقاربات الرقمية في تسوية النزاعات، لكنها وضعت شرطاً حاسماً قائلة: إننا نؤمن تماماً بالدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة للسلام، ولكن شريطة ألا يبدأ عملنا من التكنولوجيا كهدف أو كاستعراض تقني، بل من الواقع المعاش والخبرات المباشرة لأطراف النزاع على الأرض،  فهذا هو المنطلق الحقيقي لأي جهد تكنولوجي مستدام.

وانتقدت المسؤولة الدولية الفجوة الاستثمارية الهائلة بين قطاعي الحرب والسلام قائلة بمرارة: لقد شهد القطاع العسكري والدفاعي على مستوى العالم استثمارات وتكتلات مالية وتكنولوجية هائلة لعقود طويلة لتسخير التكنولوجيا لأغراض الحرب والدمار، بينما حظي قطاع السلام والدبلوماسية بنصيب أقل بكثير، مما يجعلنا لا نزال في المراحل الأولى لتطوير هذا المسار الحرج.

ودعت بوتانين إلى تفكيك حالة التخوف أو النفور الشائعة في أوساط بعض الدبلوماسيين والوسطاء التقليديين الذين يرون تعارضاً بين التكنولوجيا والطبيعة الإنسانية للوساطة، مفسرة رؤية المؤسسة: نحن لا نرى الأمر كصراع بين الإنسان والآلة، فالهدف ليس أتمتة القرارات السياسية أو ترك الذكاء الاصطناعي يصيغ مسودات اتفاقيات السلام، بل استخدام هذه الأدوات بمسؤولية لتعزيز الروابط الإنسانية وسد الفجوات عبر ثلاثة أبعاد: تعميق تحليل النزاعات عبر صور الأقمار الصناعية وتحليل السرديات على السوشيال ميديا، والشمول الرقمي لتوسيع دائرة المشاركة، واقتناص فرص الذكاء الاصطناعي المتسارعة.

واستعرضت بوتانين نموذجاً عملياً  لمنصة رقمية تفاعلية طورتها المؤسسة كأداة "للتحليل التشاركي" في بيئات النزاع المعقدة (مثل الملف السوداني)، حيث يشارك أطراف النزاع عبر هواتفهم المحمولة في تحديد مسببات الأزمة وتصنيفها، وتمنحهم التكنولوجيا مزايا استراتيجية تقلب موازين التفاوض التقليدية.

واختتمت جوهانا بوتانين حديثها  بالتأكيد على أن: التكنولوجيا لا تضع نهاية للحوار ولا تمنحنا حلولاً جاهزة، بل هي البداية الصحيحة والموضوعية والمنصفة لإطلاقه وهيكلته.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة