تمر اليوم الذكرى الثانية والعشرون على رحيل الأديب المغربي الكبير محمد شكري، الذي غادر عالمنا في 15 نوفمبر 2003، ليخلف وراءه إرثًا أدبيًا فريدًا لا يزال مثار جدل ونقاش حتى اليوم. فقد كان الراحل واحدًا من أهم كتّاب المغرب وأكثرهم إثارة للجدل، بفضل أسلوبه الواقعي الجريء الذي قدّم عبره صورة صادمة وحقيقية عن عالم المهمّشين والفقراء، بعيدًا عن أي تزيين أو مواربة.
روايات صنعت ظاهرة أدبية
اشتهر شكري بأعماله التي وثّق فيها سيرته الذاتية وتجربته الحياتية القاسية، وعلى رأسها "الخبز الحافي" و"زمن الأخطاء"، اللتين اعتُبرتا من أبرز الأعمال العربية في أدب السيرة الذاتية. وقد شكّلت رواية "الشطار" امتدادًا طبيعيًا لهذه العوالم، حيث أضافت بعدًا جديدًا جعل القارئ يتأمل بعمق واقعًا مجهولًا لكثيرين، مقدّمة شهادة أدبية جريئة تُسائل المجتمع عن دوره في تكوين مثل هذه الظواهر الإنسانية.
جرأة شكري.. جدل لا ينتهي
أثار محمد شكري جدلاً واسعًا داخل المغرب وخارجه، بسبب تناوله الصريح لمواضيع مسكوت عنها، مثل الدعارة والعنف الجنسي والفقر المدقع. ارتبط اسمه بالواقعية الصادمة التي وظّف فيها لغة قوية ومباشرة لكشف الجوانب الأكثر ظلمة في المجتمع خلال فترات الاستعمار وما بعدها. وقد تركت أعماله أثرًا بالغًا في الأدب العربي والعالمي، وترجمت إلى لغات عديدة، ما أكسبه شهرة واسعة تتجاوز حدود المنطقة.
"الخبز الحافي".. الرواية التي هزّت العالم العربي
تُعدّ رواية "الخبز الحافي" أشهر أعمال محمد شكري وأكثرها إثارة للجدل. كتبها عام 1972، وترجمها إلى الإنجليزية الكاتب الأمريكي بول بولز عام 1973، ثم ترجمها إلى الفرنسية الطاهر بنجلون عام 1981، قبل أن تُنشر بالعربية سنة 1982 بسبب ما أثارته من خلافات حول جرأتها غير المسبوقة.
وتحكي الرواية مأساة طفل عاش في ظلمات الأمية حتى بلوغه سن العشرين، لتكون تجربته في الحياة سلسلة من الانجرافات في عالم البؤس والعنف الذي شكّل القوت اليومي للمهمّشين. ويعرض شكري في الرواية مجتمعًا مسحوقًا تحت وطأة الاستعمار، حيث الفقر والجوع والجهل والأوبئة، والأكل من المزابل، واللجوء إلى طقوس الشعوذة مثل شرب الدم طلبًا للتداوي.
وتتوقف الرواية عند معاناة أم البطل التي كانت تلجأ إلى "الشوافات" وتشعل الشموع على أضرحة الأولياء طلبًا للفرج وخروج زوجها من السجن. كما تضطر إلى بيع الخضروات والفواكه في أسواق المدينة، بينما كان شكري يقتات من مزابل الأوروبيين التي وصفها بأنها أغنى من مزابل المغاربة الفقراء. وفي هذا المناخ القاسي، عاش الصبي بين أفراد وجماعات منحرفة أخلاقيًا، تاركًا للقارئ صورة حية لعالم قاسٍ ظلّ طويلًا بعيدًا عن الضوء.