لم تكن الصورة التي اجتاحت مواقع التواصل مجرد لقطة عابرة لزوجين يقفان أمام مقتنيات المتحف المصري الكبير. كانت مشهدًا صغيرًا لكنه شديد الكثافة، يخلط بين الماضي البعيد وملامح الريف، ويضعهما داخل واحد من أكثر الفضاءات حداثة ورمزية في الذاكرة المصرية المعاصرة.
الرجل بجلابيته الداكنة، والمرأة بطرحتها الريفية، يقفان بثبات أمام آثار تحكي آلاف السنين. هذا الحضور البسيط أطلق موجة واسعة من التعليقات، بين من رأى المشهد غير معتاد في فضاء دائم الامتلاء بالسائحين وعدسات الإعلام، وبين من اعتبره أكثر الصور قدرة على لمس عمق الهوية المصرية.
فالجلابية ليست مجرد قطعة قماش. إنها، كما يصفها الباحثون في الثقافة الشعبية، واحدة من العلامات التي استقرت طويلًا في وجدان المصريين، تحمل ملامح الفلاح الذي حوّل الطمي إلى حياة، والذي ظل لفترة طويلة رمزًا للصبر والقوة والصلابة. ورغم أنها ليست باهظة الثمن، فإن قيمتها الرمزية تتجاوز ثمنها بكثير، خاصة داخل مكان يُعنى بتكريم الذاكرة، مثل المتحف المصري الكبير.
مصر ياما يا بهية
هذا الترابط بين الريف والهوية ليس جديدًا، فالفن المصري الحديث رسم صورة مصر في هيئة فلاحة عشرات المرات، المثال المصري الكبير محمود مختار نحتها واقفة شامخة في تمثله الشهير "نهضة مصر"، والشيخ إمام حين غنّاها من كلمات أحمد فؤاد نجم وصفها بـ "يا أم طرحة وجلابية"، ونجيب سرور حين جعل "بهية" في مسرحيته الشهيرة تجسيدًا للوطن، جعلها فلاحة قوية ومجروحة ومجبولة بالصلابة نفسها التي رآها المصريون في الأرض.
من هذه الزاوية، بدت الصورة المتداولة وكأنها تعيد وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، زوجان يزوران "البيت الجديد" لمقتنيات الأجداد، بملابس تعكس جذورهم لا مظاهر الحداثة، في مشهد يضع الفلاحة والجلابية داخل إطار يعبر عن امتداد الهوية، ويُذكّر بأن المصريين، مهما تعددت طبقات حياتهم، ما يزالون يحملون النسخة القديمة من أنفسهم في جيوب الأيام.
بهذا المعنى، لم تكن الصورة مثيرة للجدل قدر ما كانت مرآة، مرآة تُظهر أن ملايين المصريين ما زالوا ينظرون إلى حضارتهم القديمة بوصفها امتدادًا لحياتهم اليومية، وأن أبناء الأرض، بجلابياتهم البسيطة، يقفون في حضرة أجدادهم كمن يعود إلى بيت يعرفه جيدًا، حتى لو تغيّرت الجدران، وظل الشعور واحدًا، نحن هنا منذ زمن بعيد، وما زلنا.

بهية في المتحف الكبير