أكرم القصاص

سعيد الشحات يكتب.. ذات يوم 25 فبراير 1990 .. أحمد بهاء الدين ينشر إعلانا على نفقته بمساحة الصفحة الأخيرة فى «الأخبار» عن «جريمة العصر».. ويسقط فاقدا الوعى قبل جمع مائة توقيع عليه

الخميس، 25 فبراير 2021 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب.. ذات يوم 25 فبراير 1990 .. أحمد بهاء الدين ينشر إعلانا على نفقته بمساحة الصفحة الأخيرة فى «الأخبار» عن «جريمة العصر».. ويسقط فاقدا الوعى قبل جمع مائة توقيع عليه الكاتب الصحفى أحمد بهاء الدين

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
قرر الكاتب الصحفى أحمد بهاء الدين، أن يقود بنفسه حملة مضادة لهجرة اليهود السوفيت، الواسعة إلى إسرائيل، فى مطلع تسعينيات القرن الماضى، فكتب العديد من المقالات فى مقاله اليومى «يوميات» بالأهرام، وفتح باب النقاش حول هذه الجريمة، ثم قرر نشر «بيان إعلانى» من ماله الخاص، على صفحة كاملة بالصفحة الأخيرة بجريدة «الأخبار»، يوم 25 فبراير، مثل هذا اليوم، 1990، واستهدف توقيع مائة شخصية من النخبة المصرية عليه، وأثناء اتصالاته لجمع التوقيعات، سقط على الأرض فاقد الوعى، وبقى على هذا الوضع حتى وفاته يوم 24 أغسطس 1996، حسبما يذكر حافظ طوقان، الكاتب والسياسى الفلسطينى، وأحد أقرب أصدقائه، فى مقاله المنشور فى كتاب «أحمد بهاء الدين من حملة مشاعل التقدم»، عن «مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت».
 
كان هذا الإعلان هو آخر معارك «بهاء الدين» الوطنية والقومية، التى سخر لها حياته الصحفية، غير أن هذا الحدث شهد دراما له، ترويها زوجته لحافظ طوقان، فأثناء اتصالاته بمن يرغبون فى توقيعهم على البيان، وحين وصل إلى العدد 88 سقط على الأرض من كثرة انفعاله وجهده، تؤكد زوجته أنه هوى أمامها على الأرض، وهو ممسك بالبيان الذى أعده، وأدان فيه كل من ارتكبوا جريمة العصر، وخصوصا الاتحاد السوفيتى، وأمريكا، والمجتمع الدولى المتفرج، وباليد الأخرى كان يمسك سماعة التليفون، وقد أوشك على الانتهاء من مهمته.
 
نشرت «الأخبار» «البيان الإعلانى»، بعنوان «جريمة العصر فى ضمير التاريخ وفى طيات المستقبل» وعليه الـ88 توقيعا هم جملة من حصل على موافقتهم قبل سقوطه مريضا، واستهله قائلا: «نحن أبناء الأمة العربية فى طليعة المطالبين بحقوق الإنسان، ليس لأن حقوق الإنسان جاءت أول ما جاءت فى بلادنا عبر الأديان المقدسة فحسب، ولكن لأن المظلومين عادة هم أول وأخلص المطالبين بحقوق الإنسان، ونحن فى هذا العصر مظلومون، ومن أول حقوق الإنسان حقه فى أن يرحل إلى حيث يريد، ويعيش حيث يريد، وما تاريخ الدنيا إلا تاريخ هجرات عمرت أرجاء الأرض، مكتشفة قارات جديدة بأكملها، ولكن تهجير ملايين اليهود من روسيا إلى إسرائيل لا يندرج فى هذا الإطار، بل بالعكس تماما، فقد كانت الهجرات دائما عفوية اختيارية غير منظمة، وخالية من أى نية غزو أو عدوان، أما تهجير اليهود الروس إلى فلسطين، فهو لأول مرة فى التاريخ يتم بتواطؤ دولى، وعلى يد الأقوياء، واغتصابا لأرض الآخرين، وعدوانا ومحوا لحقوق الإنسان فى أرضه الأصلية.
 
وحق الإنسان فى الهجرة لم يقترن أبدا بكل الإجراءات التى ترغمه على الاضطرار للذهاب إلى مكان معين، فليس سرا أن المهاجر اليهودى الروسى، يريد أن يذهب إلى أمريكا فى الأساس، أو غيرها من دول الغرب، وأن كل الإجراءات اتخذت لكى يرغم المهاجرون على الذهاب رأسا من روسيا إلى إسرائيل دون توقف، فى مكان يقرر فيه بملء حريته إلى أين يريد الذهاب، فهو عمل يبدو تحريريا من طرف، وإرغاميا من طرف فى نهاية الرحلة، وهى عملية غزو متكاملة لأركان الغزو، وهى لم يستخدم فيها أسلحة القتال ولكن المستخدم فيها أسلحة القدرات المادية الطاغية الأخرى من مال غزير وطائرات كثيفة وسطوة دولية بغير حدود، وأساسها طرد العرب من أرض لهم، لا تصل إلى واحد من المائة من أراضى الدولتين الأكبر، يسكنها ثلاثة ملايين مواطن، إزاء عملية إجبارية تفرض عليهم من دولتين بهما أكثر من خمسمائة مليون مواطن، لتقتلعهم اقتلاعا وتمحوهم محوا وتنتزع من ذاكرة البشرية جمعاء أرضا مقدسة ولد فيها أنبياء من شتى الأديان، وفيها مقدسات للإنسانية جمعاء، بناء على أسطورة فى غياهب التاريخ عن وعد بين الله وبين شعب مختار منحه بمقتضاه قلب الدنيا، ما بين النيل والفرات».
 
ماهى عناصر الغزو؟ الإرغام والفوضى، الاحتلال والاستيطان من قبل الغزاة، استخدام القوة الباغية والقوة مالية ومادية وسياسية وعددية، وهذه أول مرة فى تاريخ البشرية يتم فيها غزو على هذا النحو، غزو تقوم به أكبر دولتين بموافقة أكبر معسكرين للدول، وعلى مرأى ومسمع من عالم بأكمله كله من المستضعفين فى الأرض.
 
والأخطر من هذا كله أن هذا يجرى فى إطار من الدجل السياسى على مستوى من حكام العالم المتجبرين وتحت عنوان»حقوق الإنسان»..وما هذا البيان إلا لتسجيل الجريمة فى ضمير التاريخ، ولتأكيد أن ما يرتكبه المستكبرون فى حق المستضعفين فى صفحة من صفحات التاريخ سوف ينقلب عليهم ذات يوم فى صفحة أخرى من صفحاته الكثيرة».   

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة