خالد صلاح

وائل السمرى

الفروق الصغيرة

السبت، 14 يوليه 2018 03:00 م

إضافة تعليق
أعرف تماما ما الذى يمكن أن تفعله إضافة هينة فى جملة فتحرِّف المعنى، وأعرف أيضا أن تغييرا بسيطا فى معادلة كيميائية ربما يجعل العسل سما أو الحلال حراما.
 
الفقه أيضا يعرف تلك المسألة، ولهذا اجتهد الفقهاء فى سبك قاعدة فقهية توجز هذه القضية وتحل الكثير من المعضلات، فقالوا إن الحكم يزول بزوال العلة، بمعنى أن الخمر حرام لكن التفاح الذى صنع منه الخمر حلال، لأن العلة هنا فى حالة السكر وليست فى التفاح نفسه، كما أن الخمر إذا تحول إلى خل صار حلالا، ومن هنا نرى إن الحلال «التفاح» إذا طرأ عليه تغيير بسيط أصبح حراما، والحرام «الخمر» إذا طرأ عليه تغيير بسيط صار حلالا.
 
من هنا ندرك أن الفروق الصغيرة تحدث الكثير من التحولات، وندرك أيضا أن بإمكاننا إحداث انقلاب كبير فى الكثير من الأمور بإضافة صغير، فقد تستيقظ من النوم وتمارس يومك بشكل عادى، لكن هذا الاستيقاظ من الممكن أن يتحول إلى فعل إيجابى إذا صحبه «صباح الخير» من زوجتك، وقد يتحول إلى حدث مبهج إذا كانت «صباح الخير» مصحوبة بابتسامة، وقد يتحول إلى جنة إذا صحبه تربيتة وقبلة.
 
فروق صغيرة لكنها تحدث فارقا، قليل من الملح يصنع للطعام مذاقا خلابا، قليل من الكحل يجعل من العينين آية من آيات الجمال والإبهار، قليل من الحب يجعل من الحياة وسادة ناعمة تجلب الراحة والطمأنينة.
 
السعادة كلها فى فروق صغيرة، والشقاء كله أيضا فى فروق صغيرة، أعرف أناسا غرقوا فى الشقاء طوال حياتهم، ضحوا بالكثير والكثير، وحينما توقفوا للحظات لينظروا إلى ما فعلوه لم يجدوا إلا بضعة فروق صغيرة، كانوا يشترون ساعة رولكس تقليد ببضعة مئات، فصاروا يشترونها «أصلية» بمئات الآلاف، كانوا يشربون الشاى على كورنيش النيل مع أصحابهم ويقضون طوال الليل فى أنس وانسجام، فصاروا يشربون الشاى فى شرفة فندق مطلة على كورنيش النيل بصحبة أو بدون، كانوا يبتهجون إذا ما اشتروا ملابس جديدة من وسط البلد، وصاروا الآن لا يبتهجون وهم يشترونها من أفخم المولات وأجود الماركات، وأكاد أراهم يسألون أنفسهم: هل تستحق هذه الفروق الصغيرة كل هذا الشقاء وكل هذا العناء وكل هذه التضحيات.
 
يغيب عنا أن الفروق الصغيرة هى فى النهاية «فروق صغيرة» ويغيب عنا أننا «قاعدين شوية وماشيين»، ويغيب عنا أن الفروق الصغيرة مهما تضخمت أو تعاظمت فهى فى النهاية «فروق صغيرة» لا أهمية لها ولا معنى دون متن عامر بالبراءة من كل شر أو مرض أو خبث، فلا معنى للكحل إن كانت العين مصابة، ولا فائدة من الماركات العالمية إن كان المتن زائفا، ولا أهمية لأى شىء دون عقل متسع ووعى كامل، دون رشد فى استخدام «الفروق الصغيرة» سلبا أو إيجابا، دون إدراك حقيقى لحقيقة أن الفروق الصغيرة» صغيرة بالفعل، لكنها تصير عظيمة إذا ما استخدمناها، ونصير أقزاما إذا ما استخدمتنا.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة