خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

فاطمة ناعوت

أغنية حبّ من أجل مأمون المليجى

الأحد، 16 يوليه 2017 06:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
فى ديسمبر 2008، وصل صندوقَ بريدى الإلكترونى أغنيةٌ جميلة بصوت «دون ماكلين» عنوانها: «فينسينت». فقمتُ فورًا بترجمتها للعربية ونشرها فى مقال، مع إهدائها لمن أرسلها لى. أما مُرسِلها، فكان صديقى الموسيقار والملّحن الجميل «مأمون المليجى». وأما سبب إهداء الأغنية لى، فلأننى كتبتُ وقتها سلسلة مقالات عن التشكيلى الهولندى الشهير «فينسينت فان جوخ». كان آخرَها مقالٌ عن لوحته الشهيرة: «ليلةٌ تضيئُها النجوم «Starry Night». فكانت تحية صديقى الرقيق لى، أغنية كُتبت ومُوسِقَت استلهامًا من تلك اللوحة الشهيرة. وحين أهديتُ مأمون ترجمة القصيدة، لم أكن أعلم أنه كان علىّ أن أهديه قصيدةً من تأليفى فى شخص. فهو يليقُ به الشِّعرُ، يليق به الحبُّ. ليس فقط لأنه موسيقىٌّ موهوبٌ منح المكتبة العربية أجمل موسيقاها، وليس فقط لأنه وطنىٌّ نبيل أحبّ مصرَ كما لم يحبّها أحدٌ، رغم نشأته وتكوّن طفولته وصباه فى لبنان، وليس فقط لأغانيه الوطنية الجميلة فى حبّ مصر، تلك الأغنياتٍ التى تمسّ عظامَ مصر ونخاعها، بصوت شادية مصر الثورية الراقية «عزة بلبع»، ولا حتى لأنه ابن دراستى ومهنتى الأولى، الهندسة المعمارية، التى أعتزُّ بأبنائها وأشعرُ بأن خيطًا روحيًا واثقًا وثيقًا يربط بينى وبينهم، بل، لكل ما سبق، وكذلك لأنه على المستوى الإنسانى، فردٌ فريد لا يتكرر. خلوقٌ خليقٌ بأن يُكتب فيه الشعرُ، ويُغنّى. عاش «مأمون المليجى» وترًا عازفًا، وطار عن عالمنا وترًا عازفًا. يعزفُ الجمالَ ويعزفُ عن الصغائر. فكانت حياته ورحيله نغمًا موسيقيًّا عذبًا، لا ينقطع.
 
لهذا، لم أندهش من «حفل» العزاء والغناء الذى أقامه شقيقه د. على المليجى، ولا من صيغة بطاقة الدعوة التى كتبها لأصدقاء الموسيقار الراحل ومحبيه، قائلا: «أتقدم بخالص اعتذارى لكل من حاول الاتصال بى لمواساتى فى أخى مأمون ووجد هاتفى مغلقًا. لقد بذلت مجهودًا يفوق طاقة البشر لأتعامل مع هذا الطوفان الهادر من حب الناس وصدمتهم فى وفاته. وأُسقِط فى يدى. وأصبحتْ كلُّ كلمة عزاء تنكأ فى قلبى جرحًا لا يندمل. سامحونى إذا قلتُ لكم إن مأمون ليس بحاجة إلى دعواتكم. فنقاء سريرته وإيمانه الخاص بالله وفيض الحب الدافق فى قلبه، يجعلنى واثقًا أننا نحن من نحتاج إلى دعواته. كان صوفيًّا قدماه على الأرض ورأسه فى السماء، يملك عقل شيخ وقلب طفل. لم يعرف الكراهية أو الحقد أو البغض، ولم تجد أيُّها إليه سبيلا. لذا إذا أردتم اللقاء على حبّه، فلتشرفونى يوم السبت القادم. لقد كانت كلمته الأخيرة: «الحب أفنانى.. مِتُّ فأحيانى».. فإذا كان الحب هو ما سيحييه فى عالمه الجديد فلنأت وفى قلوبنا مشاعر الحب نتبادلها جميعًا على وقع موسيقاه. وأرجوكم لا تتشحوا بالسواد بل تعالوا بما تحبون من ألوان. ولتكن الطاقة الإيجابية التى تجمعنا، رسالةً له أينما كان».
قطعةٌ من الأدب الرفيع، كتبها قلمٌ مبدع وصاغتها روحٌ تأملت قيمة الراحل فعرفت كيف تصوغ رثاءً غير مألوف ودعوة إلى لقاء عزاء لا يعرفُ ملابس الحداد. فالخالدون لا تُرفع فوق صورهم شرائط الحداد.
 
من جديد أهدى إلى صديقى المثقف الراحل «مأمون المليجى» القصيدةَ ذاتها التى أهديتها له قبل تسعة أعوام، حتى يقرأها فى نهارٍ لا يعرف الليل، وفوق سماء أبدية الضوء ترصّعها النجوم نهارًا كقطرات الألماس.
 
«فى ليلة تضيئُها النجوم/ لوّنْ فُرشاتك بالأزرق والرمادىّ/ وراقبْ نهارًا صيفيًّا/ بعيون ترى عتمةَ روحى./ ارسمْ الأشجارَ والنرجسَ البرىَّ/ بظلال التلال/ والتقطْ النسيمَ وصقيعَ الشتاء/ من أرض يكسوها الجليد./ الآن أدركُ/ ما الذى حاولتَ قولَه لى/ كم صارعتَ عقلك/ وكم حاولتَ تحرير الناس/ لكنهم لم ينصتوا/ لأنهم لم يعرفوا كيف ينصتون/ ربما ينصتون الآن./ فى ليلة تضيئُها النجوم/ زهورٌ تشتعلُ باللهب/ وغيماتٌ تدورُ فى ضباب أرجوانىّ/ تنعكس فى عينى فينسينت الخزفية الزرقاء./ الألوانُ تغيّرُ درجاتها/ حقولُ الصبح وقمحها الكهرمانىّ/ والوجوه العاصفة بالألم/ ستغدو ناعمةً بريشتك المُحبة./ الآن أفهمُ/ ما الذى وددتَ قولَه لى/ كم عانيتَ وحاولت تحريرهم/ لكنهم لم ينصتوا/ لم يعرفوا كيف/ لأنهم لم يقدروا أن يحبوك/ لكن حبَّك لهم كان حقيقيا/ وحينما اختفى الأملُ من المشهد/ فى تلك الليلة المضيئة بالنجوم/ أنهيتَ حياتك كما يفعل المحبون عادة/ كان علىّ أن أفهم يا فينسينت/ أن هذا العالمَ لم يرُق لجميل مثلك./ ليلة تضيئُها النجوم/ تُصوّرُ المشنوقين فى القاعات الخالية/ جماجمَ فوق حوائطَ مجهولة/ بعيون ترى العالم ولا تنسى/ مثل الغريب الذى التقيتَه/ الرجل البالى فى الملابس البالية/ مثل شوكة فضية فى زهرة ملعونة/ ترقدُ مكسورةً فى الثلج الطاهر./ والآن/ أعتقدُ أننى أفهم ما تحاول قوله لى/ أنك صارعت من أجل عقلك/ وحاولت تحريرهم/ هم لم ينصتوا/ ومازالوا لا ينصتون/ وربما لن يفعلوا أبدا».
 
يا صديقى الجميل، نم ملء جفونك فى ثرى وطنٍ أحببته ولم تخذله. ولنا فى موسيقاك عزاءٌ لا يفنى. وكما أهديتك أغنية فان جوخ، أهدى نفسى وجمهورَك واحدةً من أجمل أغنياتك التى زلزلت قلوب المصريين، بصوت حنجرة مصر الثرية «عزة بلبع»، وكلمات الشاعر «أحمد قدرى».
 
فى الشوارع/ شىء غريب بينادينى/ شىء بيفرض جوه منى/ حزن عيني/ شىء ياخدنى يشدنى/ يرمى حزنى ع الشوارع/ اترسم كل الوشوش/ تتقسم بينا المواجع/ ابقى واحد منهم/ جرحى هوّ جرحهم/ والحقيقة متوهانى/ ف الشوارع/ حلم عاشق للنهار.
 
«شفته ف عيون طيبين/ حلم مطحون بالمرار/ يطرح غناوى المجروحين/ حلم مطحون بالمرار/ يطرح غناوى المحرومين/ ولامتى هنعيش فى انتظار/ وعلينا بتمر السنين/ ليه بنسأل ميت سؤال/ والطريق نمشيه تانى نرجعه/ كل حاجه فوق حدود الاحتمال/ كل واحد فينا جرحه بيوجعه».

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة