خالد صلاح

محمد حبوشه

السعودية.. منطق الشك يعيد شبح "سايكس بيكو"!

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016 10:00 م

إضافة تعليق
ما أشبه الليلة بالبارحة، فقبل مئة عام تقريبًا عانت الشعوب العربية تداعيات اتفاقية "سايكس بيكو" التى مثلت للعرب رمزًا للظلم الذى أصابهم من الاستعمار، فهى تتحدث عن قرن قامت فيه القوى الغربية باللعب بنا وتدخلت فى دولنا عسكريًا وسياسيًا، ولا نزال نحن العرب لا نراوح مكاننا، وكأننا نحقق نبوءة "كارل ماركس" التى تقول "إن التاريخ يعيد نفسه فى المرة الأولى كمأساة وفى الثانية كمهزلة، لقد كانت "سايكس بيكو" الأولى مأساة حقيقية دفعت الشعوب العربية فيها ثمنها باهظًا، ولا أظن أنه لدينا مساحة للتقاعس الآن فى وقت صار فيه الهزل خطيئة لا تغتفر، وفى ظل عالم يعيش فراغًا فى القيادة، والتنافس على أشده بين القوى التقليدية كـ"الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا ودول الاتحاد الأوروبى الساعية للتحكم فى ناصية القرار الدولي"، كما تبرز قوى صاعدة تتطلع للعب أدوار محورية خاصة فى مناطقها الجغرافية، كـ"الصين، الهند، البرازيل، إيران وتركيا".
وعليه أصبحت كثير من الدول العربية، ومنها السعودية - للأسف - بلا عقل رشيد فى ظل إدارة تمضى نحو عزلتها الإستراتيجية مع جيرانها الأقربين فى الدم والعروبة مثل مصر، وهو ما ألمح إليه بعض المحللين بـ"منطق أنا أو الفوضى" -وبحسب الكاتب والأكاديمى المغربى "يونس بلفلاح"– تأتى مثل تلك التصرفات بغرض الترويع من أجل التركيع، والتدبير باللقطة حيث ينصب الاهتمام على المباني، وتنسى المعانى ويبحث المسئول عن التقاط الصور لا عن تقديم الخدمات، منتهجًا منطق الإغاثة والطوارئ لا الإصلاح والبناء، حيث صارت الإنجازات خالية من مضمونها كمن يسجل نقاطًا بأهداف فارغة، واختزل معنى الوطن فى الانتماء العائلى، القبلى والطائفى.
 
لقد بات واضحًا لكل المهتمين بألاعيب وحيل ودهاء ومكر السياسة، أن هنالك دورًا خفى يلعبه البعض فى تأجيج نيران الصراع المذهبى والطائفى فى العالم العربى، وكأنهم يعيدون شبح "سايكس بيكو" من جديد، عندما ضخ هؤلاء المليارات للعصابات المسلحة منذ عام 2011 من أجل إسقاط بشار الأسد، وقد باءت كل محاولتهم بالفشل، وذهبت ملياراتهم أدراج الرياح، وبقى الأسد قويًا وصامدًا يجهض كل الخطط والمؤامرات الساعية لإسقاطه، ورغم كل الدعم المعنوى الذى قدم للعصابات المسلحة التى تقاتل فى سوريا، إلا أن الضربات الموجعة التى وجهها الجيش العربى السورى أجهضت وأنهكت قوى "داعش" وغيرها من عصابات الإرهاب، وحققت نجاحات مذهلة على كل الأصعدة، وبالفعل نجح الجيش فى طرد تلك العصابات، وكل الميليشيات المسلحة من العديد من مناطق نفوذها، خاصة فى "حلب وحمص" اللتين تمثلان درة التاج فى سوريا بعد دمشق الفيحاء.
يخطئ من يظن أن السعودية تحاول إظهار العين الحمراء لمصر الآن بعد الأزمة التى نشبت على خلفية الحكم القضائى الصادر بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية، والمعروفة إعلاميًا بـ"أزمة تيران وصنافير"، فعلاقة القاهرة بالرياض تحكمها عوامل قوية تعتمد فى مجملها على أسس الجغرافيا والتاريخ، حتى لو أشار بعض الخبثاء إلى أن السعودية كانت تبيت النية مبكرًا، وليس فى أعقاب فشلها فى الضغط على الرئيس السيسى لإرسال قوات إلى سوريا واليمن بحسب تسريبات غير موثقة، عندما بدأت تحركاتها المريبة فى يونيو الماضى باستقبال المنظر الإخوانى "راشد الغنوشى" زعيم حزب النهضة التونسى والعدو اللدود لنظام الحكم فى مصر، رغم أنه تم دق المسمار الأخير فى نعش تنظيم الاخوان اللعين، وتشييع جثمانه إلى مثواه الأخير بعد أقل من 12 شهرًا من الفشل إبان حكم المهزوز محمد مرسى، والواقع المر يقول: إنه بقدر الصدمة التى أحدثتها تلك الزيارة بقدر ما خلفت "شرخًا كبيرًا" ظل يتسع يومًا بعد يوم، على صعيد العلاقة "المتأزمة" بين البلدين، والتى بلغت ذروتها بعد وقف تدفق النفط السعودى للقاهرة، لتفتح الأبواب واسعة على "حرب المكائد" بين البلدين، حيث أقدمت المملكة على زيارة رسمية لسد النهضة الإثيوبى قام بها "أحمد الخطيب" مستشار العاهل السعودى سلمان بن عبد العزيز والتى نزلت على مصر كالصاعقة.
كثيرون فى العاصمة المصرية اعتبروا هذه الزيارة أو "المكيدة" ردا من جانب المملكة على الموقف المصرى الآخذ فى التباعد مع السعودية، منذ تصويت مصر لصالح المشروع الروسى فى مجلس الأمن حول الأوضاع فى سوريا، فى التاسع من أكتوبر الماضي، حيث راح التأزم يخيم على مسار العلاقات بين البلدين الشقيقين فى العروبة والدم والدين، رغم محاولات وجهود خليجية وعربية، ومجهودات خاصة بذلها كل من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولى عهد إمارة أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، وكذلك أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، لكن لم تفلح الوساطة فى احتواء دائرة الخلاف التى راحت تتسع يوميًا ولا أحد يوقفها.
 
وكأن السعودية - بحسب معسكر إشعال الأزمة بين البلدين - تريد من خلال هذه التصرفات أن ترسل رسالة مشفرة لمصر مفادها "أن من لا يأتى بذهب المعز من الممكن أن يأتى بسيفه"، بما يعنى أن المملكة التى دعمت مصر ماليًا بعد 30 يونيو من الواضح أنها كانت لها أغراض غير شريفة من وراء هذا الدعم، وربما شعرت أنها لم تحصل على المقابل الذى تريده، لذا تحاول جاهدة أن تلاعب مصر بورقة الإخوان فى محاولة أن تعيدهم إلى الساحة من جديد، وهذا من وجهة نظر صبيان قصر الحكم فى الرياض هو سيف المعز!.
 
ظنى أنه إذا كانت الأمور تسير وفقا لهوى البعض من صناع الأزمة، فإنه للأسف ستجد المملكة نفسها فى ورطة كبيرة، ربما تلقى بظلال وخيمة على دور السعودية على المستوى العربى والإسلامي، فى ظل تصاعد نغمة المعارضة، خاصة إذا ما أقبلت المملكة على احتضان تنظيم الإخوان الإرهابي، ومنحه قبلة الحياة، أو محاولة رفع أجهزة التنفس الصناعى التى وضع عليها مرغمًا، لأنها ستكون أشبه بمن ربى الثعبان فى أحضانه لتدفئته من البرد القارس، وعند أول شعور له بالدفء وجه لدغة قاتلة لمربيه، والأيام القليلة المقبلة كفيلة بفك رموز تلك اللعبة الخطرة، وعلينا الانتظار لمعرفة صحة هذا التحليل من عدمه!
 
يبقى أن نقول إن حالة الغضب المكتوم من جانب كلا الطرفين - فى ظل غياب تصريحات رسمية توضح الحقيقة - يزيد من حدة المكائد، ويدفع إلى تحرك خاطئ ستكون نتيجته الحتمية إرباك الساحة العربية المليئة بالنزاعات السياسية والعسكرية بالأساس، وحتما سوف ترسم ملامح آفاق "غير مطمئنة" لمستقبل العلاقات بين البلدين، وربما تفضى إلى تكريس التفرقة بين البلدان العربية، والخوف كل الخوف أن تمنح الدول المتربصة بالمنطقة قدرة هائلة على اختراق مفهوم الأمن القومى العربي، وبذلك ترسم بصمات سوداء فى تاريخ العلاقة بين القاهرة والرياض، ويزداد خوفى أكثر كلما ظلت التصرفات السعودية مقرونة بالشك الذى يقودنا إلى حماقة إعادة إنتاج "سايكس بيكو" التى لم نتعلم منها الدرس، مصداقًا لقول المفكر الأمريكى "جورج سانتايانا": إن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بإعادته، فدراسة الأحداث التاريخية مسألة مهمة لاستنتاج الدروس وقراءة اتجاهات المستقبل.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة