في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، برز الدور المصري كعامل حاسم في مواجهة أحد أخطر السيناريوهات التي طُرحت خلال العدوان على قطاع غزة، والمتمثلة في مخطط تهجير سكانه قسراً إلى خارج أرضهم، لقد شكّل الموقف المصري، سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، خط دفاع أول في وجه هذا المشروع، مؤكداً أن تصفية القضية الفلسطينية عبر تفريغ الأرض من سكانها لن تمرّ عبر بوابة سيناء.
منذ الساعات الأولى لتصاعد العدوان على قطاع غزة، تصاعدت في الأوساط الإسرائيلية والغربية أطروحات تتحدث عن "حل إنساني" يتمثل في نقل سكان القطاع إلى أراضٍ مجاورة، وهو توصيف يخفي في جوهره مشروع تهجير قسري يهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية للقضية الفلسطينية، هنا تحديداً، جاء الموقف المصري واضحاً وحاسماً، حيث أعلنت القاهرة رفضها القاطع لأي مخطط يستهدف تفريغ غزة من أهلها، باعتبار ذلك تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، وتكريساً لواقع الاحتلال بدل إنهائه.
لقد أدركت مصر مبكراً أن تهجير الفلسطينيين من غزة لا يمثل مجرد إجراء مؤقت مرتبط بظروف الحرب، بل خطوة استراتيجية ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية عبر اقتلاع السكان من أرضهم، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى أزمة لاجئين دائمة، من هذا المنطلق، لم يكن الرفض المصري موقفاً عاطفياً أو سياسياً عابراً، بل كان تعبيراً عن قراءة عميقة لطبيعة الصراع ومآلاته.
وقد تجلى هذا الرفض في عدة مستويات متكاملة، أولها المستوى السياسي، حيث أكدت القيادة المصرية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن أمن سيناء خط أحمر، وأن تهجير الفلسطينيين إليها يعني تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأرض المصرية، وهو ما لا يمكن القبول به تحت أي ظرف، هذا الخطاب لم يكن موجهاً للاستهلاك الإعلامي، بل حمل رسالة ردع واضحة بأن القاهرة لن تكون شريكاً في أي ترتيبات إقليمية تقوم على حساب الحقوق الفلسطينية.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد تحركت مصر في مختلف المحافل الدولية لشرح مخاطر مخطط التهجير، مؤكدة أن ما يُطرح كحل إنساني يخالف القانون الدولي، ويكرّس جريمة التهجير القسري التي تحظرها اتفاقيات جنيف، كما نجحت القاهرة في بناء موقف عربي وإقليمي داعم لرفض التهجير، ما ساهم في تقويض شرعية الطرح الإسرائيلي على المستوى الدولي.
ولا يقل أهمية عن ذلك البعد الأمني، إذ عززت مصر إجراءاتها على الحدود مع غزة، ليس بهدف إغلاق الباب أمام الفلسطينيين، بل لمنع فرض واقع قسري يدفعهم للنزوح الجماعي تحت ضغط القصف والحصار، هذا الموقف حمل دلالة استراتيجية مفادها أن حماية الحدود لا تعني التخلي عن غزة، بل حماية القضية الفلسطينية من الانزلاق إلى سيناريو التهجير الدائم.
إن الصمود المصري في هذا الملف لم يكن مجرد موقف سيادي، بل لعب دوراً محورياً في إفشال أكبر مخطط كان يهدف إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية من جذورها، فلو تم تهجير سكان غزة، لكان ذلك سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تكرار السيناريو ذاته في الضفة الغربية مستقبلاً، ما يعني عملياً إنهاء أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
كما أن الموقف المصري أعاد تثبيت معادلة أساسية في الصراع، وهي أن الحلول القسرية القائمة على تغيير الديموغرافيا لا يمكن أن تصنع سلاماً، بل تؤسس لجولات جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة، ومن هنا، فإن تمسك القاهرة ببقاء الفلسطينيين في أرضهم لم يكن دفاعاً عن غزة فقط، بل عن الاستقرار الإقليمي برمته.
في المحصلة، يمكن القول إن مصر نجحت في إحباط أخطر محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة التهجير الجماعي، فقد جمعت بين الحزم الأمني، والتحرك الدبلوماسي، والوضوح السياسي، لتؤكد أن غزة ليست عبئاً إنسانياً يجب تصديره، بل أرضاً فلسطينية يجب حمايتها من مشاريع الاقتلاع، هذا الموقف رسّخ معادلة مفادها أن القضية الفلسطينية لا يمكن حلها عبر تفريغ الأرض من شعبها، بل بإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية المشروعة.
وهكذا، لم يكن الرفض المصري مجرد موقف طارئ فرضته ظروف الحرب، بل تجسيداً لدور تاريخي يرى في حماية بقاء الفلسطينيين على أرضهم حجر الزاوية في منع تصفية قضيتهم، وإبقاء جذوة النضال الوطني حيّة في وجه كل مشاريع الإلغاء والتهجير.