إيمان محمد إمبابى

ضمير الوزير "الفنان"

الأحد، 29 أغسطس 2010 03:00 م


لن أتحدث عن لوحة "زهرة الخشخاش" وقيمتها الفنية والمادية.. ولا عن حادثة سرقتها فى "عز" النهار.. ولا عن مهزلة المتاحف – على اختلافها – فى مصر.. لا عن حرائق المسارح فى بنى سويف والمسرح القومى.. ولا عن ترميم الآثار بالأسمنت.. ولا حتى عن سرقتها التى لم تتوقف.. الذى توقف هو الحديث عن تلك السرقات.. لن أتحدث عن المسئولية السياسية لموقع الوزير.. ولا عن المسئولية الوظيفية التى تضم تحت عباءتها وكيل الوزارة والغفير.. ولا عن المسئولية الأدبية.. سوف أتحدث عن الضمير.. ليس ضمير الوزير أو المسئول.. ولكن ضمير "الفنان"!!

الوزير الذى يحب لقب "الفنان".. ربما لم يطلب أن يلقب به.. لكنه أصر على أن يسبق اسمه – بشكل أو بآخر – وللحق فتلك مسألة بدت بوضوح منذ سنوات قليلة فقط.. لم يبدأ الوزير بها خطواته الأولى فى الوزارة.. وصارت مواعيد معارضه الفنية وأخبارها فى الصحف، وعلى شاشات الفضائيات المختلفة أكثر غزارة من أى عمل ينجزه بنفسه.. أو يتم إنجازه فى وزارته عبر آخرين.. وصار محور حضوره الشخصى فى البرامج التليفزيونية المختلفة.. لوحاته وإبداعه كفنان تشكيلى.. بغض النظر عن قيمته كفنان.. أو مكانه تحت شمس الفن التشكيلى بين غيره من الفنانين.. فلهذا شيوخ يفتون فيه، وقد أفتوا.. وحددوا مكانه الذى يعرفه هو نفسه.. بل وحددوا أيضا مكان إبداعه – بحسب ما يروجون – وسط إبداعات عباقرة عظام يزخر بهم كتاب الفنون المصرى المعاصر.. وهو بالطبع تحديد غير مرض له أو لطاقم "المدافعون الجدد" عن الفن التشكيلى!!

ضمير الوزير "الفنان" مرتاح لحريق مسرح بنى سويف.. فلم تقع مسئولية جنائية على عاتقه.. وضميره الإنسانى مرتاح فالمحترقون فى الحادث البشع قد جاء أجلهم.. وذاك كان قدرهم.. ولا مهرب من قضاء الله!!.. وإذا كان قد احترق عشرات من خيرة وموهوبى المسرح المصرى.. الذين كانوا يجوبون على نفقتهم الخاصة أنحاء الجمهورية.. بحثا عن أعمال الموهوبين من الهواة فى الأقاليم.. فهو أمر قد يحدث فى أى مكان فى العالم.. وقد عوقب المتسبب فى الحادث.. الموظف الذى أغلق عليهم الباب.. أما متابعة إجراءات الأمان فى مكان يتبع وزارة الثقافة.. طفايات الحريق.. وأجراس الإنذار وكل تلك الأشياء.. فهى أمور لا تستوجب أبدا أن يشعر الوزير بالتقصير تجاهها.. ومن ثم لا مجال أبدا لإلقاء اللوم أو التوبيخ أو المطالبة بتحمل الوزير لمسئولياته.. وهنا طبعا يكون ضمير الوزير مرتاحا!!..
أما حريق المسرح القومى.. فهو قضاء وقدر.. ماس كهربى يحدث فى كل مكان.. والماس الكهربى قد يدمر المكان والبشر.. ونشكر الله أنه دمر المكان فقط ولم يمسس البشر أى أذى والحمد لله!!.. وهنا أيضا ضمير الوزير "الفنان" مرتاح.. وكيف لا يكون وهو يقدم جهدا تعويضيا جبارا.. المهرجان المصرى للمسرح التجريبى.. ملايين الجنيهات يتم إنفاقها سنويا لإدخال هذا اللون المسرحى إلى جوف الجماهير المصرية عنوة.. عشرات الفرق والممثلين الذين يهبطون مصر من كل حدب وصوب.. تغطية إعلامية مذهلة لأجل خاطر الوزير "الفنان".. لا المصريون "استطعموا" هذا اللون المسرحى.. ولا صار جماهيريا كما بغى الوزير "الفنان".. ولا حصدت مصر أرباح تلك الملايين التى يتم إنفاقها "بسخاء".. ودون المرور بعبقرية البيروقراطية الوظيفية فى وزارة الثقافة.. الحصاد الوحيد لهذا المهرجان هو ارتياح ضمير الوزير "الفنان" تجاه المسرح والمسرحيين المصريين.. فهو يعشق هذا اللون الفنى.. ويرغب فى الارتقاء بمستوى الفنانين المصريين!!
أما متحف محمد محمود خليل وحرمه.. الذى تم افتتاحه بعد تجديده عام 1995.. فحاله ليس أفضل من حال باقى متاحف مصر.. الفرعونية والإسلامية والتشكيلية.. لو كان محمد محمود خليل يدرى أن حاله ستنتهى إلى هذا.. ما وهبه وزوجته للمصريين كمتحف مفتوح يضم تحفا ولوحات نادرة بما يزيد عن مليار جنيه، بحسب تقدير شبكة بلومبرج الأمريكية الاقتصادية المتخصصة فى هذا المجال.. الرجل لم يكن فنانا تشكيليلا.. كان راعيا للفنون ومحبا لها.. صار وزيرا للزراعة عام 1937.. ورئيسا لمجلس الشيوخ عام 1939.. وشارك فى تأسيس جمعية محبى الفنون الجميلة عام 1924.. وفى القصر الذى سرقت منه لوحة "زهرة الخشخاش" مؤخرا.. عاش الرجل وزوجته الفرنسية التى كانت مثله مغرمة بالفنون والتحف.. ولأنهما لم ينجبا أبناء.. فقد أوصيا بأن يصير القصر متحفا مفتوحا لكل المصريين بعد وفاتهما.. فرقدا مرتاحى الضمير لأنهما تركا تلك الثروة أمانة فى عنق كل المصريين.. ومن هنا ربما يجد الوزير "الفنان" لنفسه عذرا فى ارتياح ضميره.. كفنان تشكيلى.. فاللوحات النادرة والتحف القيمة ليست فى عنقه وحده.. هى فى عنق كل المصريين!!

ربما يكون الوزير "الفنان".. بنزوعه إلى التجريد والرمز فى المسرح والفن التشكيلى وأشياء أخرى.. لا تستهويه كل اللوحات والتحف وربما الآثار الفرعونية أيضا.. فى المتاحف المنتشرة – على اختلافها – فى جمهورية مصر العربية.. كما لم يستهوه من قبل المسرح الكلاسيكى.. فكانت بدعته التى فرضها عنوة المسرح التجريبى.. وقد يكون كل هذا التجاهل لمحتويات المتاحف المختلفة.. خطوة أولى تعقبها خطوات تطويرية لهذه المتاحف.. على غرار ما حدث بالمسرح.. فنشهد متاحف تجريبية نقيم لها أيضا مهرجانا سنويا للتحف "التجريبية".. وننفق عليه أيضا ملايين الجنيهات سنويا.. ووقتها سوف يستطيع الوزير "الفنان" توفير بند فى ميزانية وزارته لتأمين تلك المتاحف "التجريبية".. فيظل مرتاح الضمير كما عهدنا به!!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة