إيمان محمد إمبابى

فوبيا التطبيع!!

الأحد، 25 يوليو 2010 08:05 م


ما أسطره دعوة للتفكير.. أدرك جيدا أن المعترضين سيرفعون حناجرهم مهاجمين.. والمؤيدين سيقومون بالشىء ذاته.. وأنا لا حاجة بى لحوار أولئك وهؤلاء.. حاجتى لحوار السواد الأعظم من المصريين.. الراغبين حقا فى محاولة التفكير..

على مدار أكثر من 15 عاما امتدت علاقتى بصحفيين فلسطينيين فى صحف ومحطات محلية فلسطينية فى الضفة الغربية والقدس وغزة.. وفى مؤسسات وهيئات فى دول مختلفة.. كان الحوار، الذى لم ينقطع طوال تلك الأعوام، عن المعضلة – التى صنعنا منها معضلة – زيارة المصريين والعرب للأراضى الفلسطينية المحتلة.. فى فعاليات بعينها.. أو حتى دون فعاليات.. بعد أن تحول مجرد التفكير فى الأمر.. سببا كافيا – فى نظر الفريقين السالفين – لتلقى تهمة التطبيع!!

يرى كل الأصدقاء من فلسطين – بلا استثناء – أن التواصل مع أهل فلسطين على أرض فلسطين واجب.. وأنه لا معنى أبدا لاستمرار حصار من نوع آخر على الشعب الفلسطينى بمقاطعة كل الشعوب العربية لأهل فلسطين داخل فلسطين!!.. وأن الحصار ليس فقط ماديا وعسكريا بما تفعله قوات الاحتلال.. ومحاولة "فك" هذا الحصار ليست فقط بإدخال معونات غذائية أو طبية عبر ميناء رفح البرى.. وأنه ليس من الحكمة تحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى مجرد تظاهرات تفتح فيها الحناجر للتنديد بغلق المعبر.. فالدخول إلى داخل فلسطين للتضامن مع من بالداخل أقوى كثيرا فى التأثير على القضية والشعب الفلسطينى.. ومافعله رسل الحرية فى قافلة الحرية بعث بتلك الدلالة للعالم كله.. وكشفت تلك الزيارات عن هشاشة أعصاب الدولة الإسرائيلية المحتلة.

ومنذ عامين تقريبا.. جمعتنى جلسة عمل لإجراء حوار مع السفير الفلسطينى السابق فى القاهرة "نبيل عمرو".. وفى مكتبه داخل سفارة بلاده فى منطقة الجيزة.. كان الحوار عن ضرورة مد الجسور إلى الأراضى الفلسطينية.. وما لهذا من تأثير كبير على من بالداخل الفلسطينى.. قرب نهاية تلك الجلسة التى استمرت ساعة.. دلف إلى المكتب عضو مجلس نقابة الصحفيين الناصرى "جمال فهمى".. مازحنى السفير "نبيل عمرو" قائلا: "سوف أدعوك رسميا لاحتفالية عن محمود درويش هناك.. ولا أدرى ماذا ستفعلين مع نقابتك".. رددت قاطعة: "سوف ألبى الدعوة".. ابتسم عضو مجلس النقابة قائلا: "ذاك موضوع تم حسمه بالجمعية العمومية".. مددت يدى مسلمة على السفير السابق قائلة: "إرسل لى الدعوة وسوف ألبى.. أرغب فى مواجهة مع نقابتى".. ورحلت.. ولم أسافر لاحتفالية محمود درويش.. فقد تم تأجيلها.. وذهبت فرصة المواجهة!!

طوال السنوات الماضية تطور الأمر.. لم نناقش أمر زيارة الأراضى الفلسطينية.. فقد اعتبرته كل النقابات المهنية تطبيعا.. وسارت على نهجها الهيئات والمؤسسات الاجتماعية والدينية وغيرها.. لعب مرشحى مجالس تلك النقابات السياسة.. وانساقت جموع أعضاء تلك النقابات بلا تفكير وراء قرارات تحتاج مراجعة.. ولا تحتاج وكلاء يتخذون قرارات نيابة عن المواطنين من أعضاء تلك النقابات.. وتطور الأمر إلى الأسوأ.. فصار التفكير فى مد يد العون إلى فلسطينيى الداخل.. لإقامة مشروعات أو أعمال أو تنمية.. أمرا يندرج تحت التهمة إياها.. التطبيع.. ومنذ عدة أشهر.. أعلن مجموعة من رجال الأعمال المصريين مبادرة داخل جامعة الدول العربية.. للتنمية داخل الأراضى الفلسطينية لا تهدف للربح.. خرج معترضون من داخل حماس على الأمر.. ملقين بالقنبلة التى تعمى الجميع.. فهذا تطبيع!!

فوبيا التطبيع أعمت الأبصار.. وأوقفت تروس العقول عن العمل.. فصار الرعب من مجرد ذكر الكلمة.. أكبر من أى محاولة لفهمها وتوصيفها.. وبالتالى تحديد متى تلقى وعلى من.. خارج مصر.. إذا حضرت مؤتمرا أو مهرجانا أو أى فعالية على أرض غير عربية.. وكان ضمن الحضور من يحمل جنسية إسرائيل.. هل حضورك – وأنت تعلم – يعد تطبيعا؟!.. وإذا كان فما البديل.. أن تعتذر عن حضور كل الفعاليات؟!.. إذا كنت تعمل فى إحدى المنظمات الدولية.. التى يعمل بها – بالضرورة – حملة جنسية إسرائيل.. هل ترفض العمل بها؟!.. وإذا كان فلماذا لم يرفض الدكتور "محمد البرادعى" عمله فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟!.. ولماذا لم يتهمه حملة القنبلة إياها بالتطبيع.. ولماذا استمر الدكتور "أحمد زويل" – الذى حصل على تكريم من جامعة إسرائيلية على أرض إسرائيل – عاملا فى جامعة أمريكية تضم حملة تلك الجنسية؟!

وإمعانا فى القسوة مع النفس.. وتعذيب الذات.. طورنا الأمر بصورة أكثر إبهارا.. فقد اعتبرنا – حملة القنبلة بالطبع – حضور فعالية على أرض مصر يحضرها حملة الجنسية الإسرائيلية تطبيعا!!.. وهو ما حدث مع رئيس تحرير إحدى الصحف الخاصة.. فى المؤتمر الصحفى للرئيس أوباما فى القاهرة؟!..

إذا ذهبت إلى فلسطين.. فأنت مطبع.. وإذا جمعك عمل فى أى مكان فى العالم يحضره إسرائيلى.. فأنت مطبع.. وإذا مارست عملك على أرض وطنك وزاحمك إسرائيلى فيه.. فأنت مطبع.. أنت مطارد بتهمة سابقة التجهيز طوال الوقت.. وإذا سألت: "طب يا جماعة هو يعنى إيه تطبيع؟!".. رمقك حملة القنبلة إياها قائلين: "لو عاوز تطبع.. طبع من غير لف ودوران".. عرفتوا يعنى إيه تطبيع؟!!

كاتبة صحفية بالأهرام


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة