طالت الجلسة؟.. نعم طالت.. لا لم تطل.. حقيقة، أجد صعوبة فى تحديد الوقت الذى مر وأنا شاخصة أمام شاشة التليفزيون المصرى – بصحبة آخرين على نفس الحالة – مساء يوم الأربعاء الماضى.. أتابع تفاصيل لعبة "اسكواش" فردية عبر برنامج "مصر النهاردة".. المشهد الذى تصدره "النجم" محمود سعد، يجاوره "الشيخ" خالد الجندى.. عن يسارهما جلس "المستشار" مرتضى منصور.. وعن يمينهما "اللاعب" أحمد شوبير.. كان يشى بوضوح بما سوف تسير عليه الحلقة قبل أن تبدأ.. الوجوه كانت تنبىء بالنهاية التى يبدو أنها فاجأت فقط "النجم" و"الشيخ".. ومعهما رأس الإعلام الرسمى المصرى!!
الحلقة التى اعتبرها "إعلام السبات العميق" انفرادا أو سبقا لإعلان صلح تاريخى.. كانت مسبوقة – قبلها بأيام – بعاصفة من الدعاية عن الإنجاز الذى سوف يحدث بمباركة "الشيخ" وبرعاية "النجم".. وتحت ملاحظة الرجل الكبير فى مبنى ماسبيرو العريق!!.. لم تكن سوى مباراة ممتعة حقا للعبة الاسكواش الشهيرة للاعب واحد هو "المستشار".. بدأها.. وأدارها.. وأنهاها.. وفق إرادته هو فقط.. ثم انصرف بهدوء ململما كل الأرواق التى تناثرت على مدار الحلقة.. تاركا الكلمة الأخيرة للنجم.. وأعرف أنها كانت شديدة المرارة.. "فشلنا"!!.. ومن هنا علينا أن نبدأ..
(1)
عندما بدأ إعلام الفضائيات الخاصة – الذى مازال يحبو – فى التخلى سريعا عن دوره، للعب أدوار أخرى.. بدأ رسمه البيانى فى الهبوط السريع.. فصار مذيعى، ومذيعات برامج "التوك شو" – إلا ما ندر – يرتدون مسوح المناضلين السياسيين.. يعارضون الحكومة على طول الخط.. ويصرخون ملء حناجرهم.. ويستخدمون جملا وعبارات تعكس أيديولوجيات لا يدركون خلفياتها.. لجذب المشاهد البسيط.. وبعضهم، وبعضهن فيغازلون الحكومة أحيانا، ويهاجمونها أحيانا أخرى.. يحصدون المزايا على تعددها طواعية أو إكراها.. وفى النهاية تنتابهم حالة نرجسية مختلطة بالبارانويا.. سعداء بمنافسة نجوم السينما فى الهالة التى يحيطون بها أنفسهم!!
وفى نفس الدائرة.. دائرة تبادل الأدوار.. دارت الصحف الخاصة – إلا ما ندر – فصارت خصما وحكما للآخرين فى ذات الوقت.. غطت المهنية والحرفية بالعديد من الألحفة فى ليلة شديدة البرودة.. وانطلقت تحصل الإعلانات.. أو تحصد الإتاوات.. شاهرة سلاح النشر.. فصارت بوتيكات.. تعمل بالمنطقة الحرة.. دونما جمارك أو ضرائب!!.. مفرزة إلى الساحة الصحفية أفواجا من المزورين.. يحدثونك عن مهنة لا يعرفون عنها شيئا.. ويجنون من ورائها ما يستحقه الأكفاء والموهوبين الذين آثروا الابتعاد إلى الظل.. يشهرون فى وجهك – إرهابا – بطاقة نقابة الصحفيين وما هم بصحفيين!! وعلى نفس النهج سارت الصحف الحزبية.. أبواقا عالية صداحة.. تلفت الأنظار لأحزاب متصلة بالحياة، فقط عبر أجهزة التنفس الصناعى منذ عشرات السنين!!
(2)
المشهد المتشابك هذا يذكرك – رغم الفارق – بعروض مسرح العرائس الشهير.. تكتشف أبطاله الحقيقيين عندما تضاء كل الأنوار بنهاية العرض.. فيقف خلف الستارة السوداء كل محركى العرائس مصطفين لتحية الجمهور.. متعة المشاهد فى تفحص وجوه هؤلاء المحركين فى النهاية.. أما محركى العرائس فى عرض الإعلام الآن.. ظاهرون بالضرورة منذ بداية العرض.. فمتعة المتابعة منقوصة.. هؤلاء المحركون، رجال الأعمال الذين غزوا الإعلام المكتوب والمرئى يمارسون أيضا أدوارا ليست لهم – إلا ما ندر – مدوا أصابعهم إلى حرفة لا يعرفون عنها شيئا.. عبثوا بها.. فمسخوها.. تماما مثلما غزا تجار وكالة البلح، واللحوم، وتجار الشنطة، صناعة السينما فى سبعينات القرن الماضى.. فأغرقت ظاهرة أفلام المقاولات، السينما المصرية لوقت طويل.
من حق رجال الأعمال الاستثمار فى الإعلام.. لكن إدارة مؤسسات الإعلام – مكتوبة أو مرئية – أعتقد أنه من الجرم أن يعبثون بها.. ومن مصلحة وطن يحبو باتجاه الديمقراطية والحياة السياسية التعددية، أن يستثمر رجال الأعمال فى الإعلام.. على أن يملكون القدرة على مواجهة مجتمع سوف يتهمهم يوم ما بتحويله إلى إعلام "خردة"!!
(3)
المجتمع المصرى الذى يصنف طبقا للإحصاءات الدولية بأنه مجتمع شاب.. لأن غالبيته العظمى من الشباب.. يخترقون العالم حولهم عبر الشبكة العنكبوتية.. سوف يتعاملون بقسوة فى المستقبل مع هذا الإعلام "المستهلك".. لكنهم سيكونون أشد قسوة مع إعلام الدولة – بصحفه وتليفزيونه – ذاك الإعلام المقلد.. الذى يتعامل بمنطق التجار.. يحرق الأسعار.. تطل على قمره الصناعى قناة شابة للكوميديا.. تخطف المشاهدين عبر إخلاصها للفكرة.. فيسرع بإنشاء قناته الباهتة للكوميديا.. مستنسخا برامجها عبر كتابها وممثليها الذين اكتشفتهم.. تغرق الفضائيات الخاصة المشاهد المصرى فى برامجها المكررة "التوك شو".. فينتج نسخا كاربونية باهتة من هذه البرامج.. بمذيعين ومذيعات لو خضع أى منهم للجان التقويم القديمة فى المبنى العتيق.. لما نجا منهم أحد – بحسب تصريح للإذاعى اللامع فاروق شوشة - .. ينثرون بعض التوابل على خريطتهم البرامجية باصطناع نجوم من "الشيوخ سابقى التجهيز".. يفتون فى كل شىء وأى شىء.. دونما علم أو بينة.. فيسرع الخطى لمحاربة شيوخ الفضائيات الخاصة، بشيوخ "قطاع عام".. يصدرون لنا صباح مساء عبر شاشاتهم لاعبى كرة القدم بعد انتهاء صلاحيتهم فى الملاعب كمذيعين.. فيتبارا مقلدا فاتحا الباب على مصراعيه لمفقتدى الطلة واللغة السليمة والثقافة الكروية منهم.. يقفزون على الموجة العاتية التى جلب رياحها "المستشار" مرتضى منصور، ساحقة "اللاعب" السابق أحمد شوبير.. فيبذلون محاولات تجارية مقدر لها من البداية الفشل للصلح بين الاثنين.. فيلهث – واطئا الريادة التى كانت – بممارسة دور "العمدة" فى جلسة صلح قبلية "فاشلة" – بحسب ما قال "النجم"!!
(4)
أمس تم بث خبر مقتضب، بلا تفاصيل أو مدلول.. "وزير الإعلام أنس الفقى يأمر بالتحقيق فيما حدث بحلقة الأربعاء الماضى من برنامج مصر النهاردة".. على اعتبار أن الوزير الذى عرف فى ماسبيرو سابقا بــ"وزير مباشر من القاهرة" لمتابعته دقيقة بدقيقة هذا البرنامج الرمادى.. ويعرف الآن بــ"وزير مصر النهاردة" للسبب ذاته.. فوجىء بما حدث!!.. من الذى وافق على جلسة الصلح هذه؟!.. وما علاقة رجل دين، وصاحب قناة دينية بهذا؟!.. وأى ضمانة استند عليها "النجم" قبل أن يقوم بمغامرته التى أخذت كثيرا من رصيده عند جمهوره العريض.. وحكمت على برنامجه مستقبلا.. ووضعت قيادات "السبات العميق" فى مبنى ماسبيرو فى موقف شديد السوء؟!..
عندما قال "النجم" فى نهاية الحلقة.. خافضا رأسه إلى أسفل.. دون نظر إلى المشاهدين عبر الكاميرا "فشلنا".. أعقبها بجملة "تصبحوا على خير" وهو يخلع سماعة الأذن التى تصله بغرفة التحكم.. فظلت الكاميرا تتابعه حتى اردف لمن خلف الكاميرا "ما انا قلت تصبحوا على خير".. سؤال الأخير للنجم الذى أقدره: "هل هذا إعلام؟!
"
كاتبة صحفية فى الاهرام.*