أتابع منذ 5 سنوات تقريبا وسائل الإعلام على اختلافها .. عربية وغربية .. مندهشة من تراجع وتوارى وتقلص الأخبار المتعلقة بفلسطين .. لتصبح مجرد خبر عن تطورات عملية السلام .. مرتبط بوصول السيدة "كلينتون" لإجراء مباحثات .. أو تحرك للسيد "ميتشل" حول بناء المستوطنات .. أو تصريح من القاهرة عن تأجيل للمرة الخمسين، أوالستين لتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية!! .. بينما تواصل إسرائيل نهجها بالتزام واجتهاد شديدين .. المستوطنات تبنى على قدم وساق .. وعمليات التهويد فى القدس وغيرها تسير وفق استراتيجية محكمة.. والجدار العازل انتهى بناؤه بنجاح منقطع النظير.. دونما أى رد فعل حقيقى من كل المتشنجين العرب!!
تراجعت أخبار التفاصيل التى كانت تأتينا من فلسطين .. واختزلت فى أخبار يومية منتظمة عن قطاع غزة .. وشيئا فشيئا صارت فلسطين فى يقين الكثير من الشباب والمراهقين والصغار فى مصر هى غزة .. يسقطون عليها اهتمامهم بالقضية الفلسطينية .. ويخرجون فى مظاهرات لدعم أهلها.. ويؤسسون مواقع أو مجموعات على مواقع مثل "فيس بوك" للدفاع والتضامن وحماية غزة .. بل انزلق هذا الشعور الذى تطغى عليه عاطفة شديدة مستمدة من تاريخ القضية الفلسطينية إلى إحساس بالحنق تجاه الوطن .. والغضب منه لتقصيره تجاه غزة .. واتهامه بخنقها وحصارها بغلق حدوده دونها .. وأخذ الأمر منحنى – أراه – فى غاية الخطورة .. بابتلاع أخبار متكررة عن قتل جنود مصريين على الخط الحدودى الفاصل بين مصر وفلسطين .. وعبوره كأن لم يكن .. تحولت غزة فى يقين هؤلاء الشباب – الذى ساهم الإعلام معظمه فى عملية غسيل عقل ممنهجة له – إلى قضية أم .. لا يجوز التفكير – مجرد التفكير – فى إعمال العقل تجاهها .. ولا النقاش حولها .. صار هدف هؤلاء الشباب تحرير غزة .. عبر منفذ رفح البرى .. فقط!!
بلا شك .. أو تردد .. فلغزة مكان غالٍ فى قلب كل مصرى – دونما مكانتها فى قلب أى عربى – وفى قلبى غزة عزيزة جدا .. فى صداقاتى بأهلها داخل مصر وخارجها .. وفى اقتراب عاداتهم وطباعهم من المصريين .. فى موسيقاهم .. وملابسهم .. وثقافتهم .. فى أطعمتهم وطقوس حياتهم .. لكنى أعى جيدا أن غزة ليست فلسطين .. غزة جزء من فلسطين .. جزء قليل الحظ.. بأولئك الجاثمين على قلبه .. يتاجرون به وببشره .. ويختزلون وطنا كبيرا مأزوما فى بعض!!..
أتعجب من تجاهل القدس .. وإسقاطها – عمدا – من اهتمام وسائل الإعلام .. ومن ثم سقوطها – عفوا – من وعى الشباب، وذاكرة غيرهم .. تلك المدينة القديمة .. التى كانت لأربعة آلاف عام رمزا للقداسة والسلطة السياسية .. وصارت ضحية محاولات دؤوبة متواصلة لتشكيل وجهها السكانى والمعمارى .. ثم إعادة تشكيله مرة ومرات.. خنقها طوق من المستوطنات، التى طبعت صورة ذهنية لدى الأجيال الجديدة– فى الداخل والخارج– بيهودية تلك المدينة.. لا يعلم الشباب المصرى المتعاطف مع غزة، أن إسرائيل ظلت لسنوات طويلة تستولى على الأبنية الكبيرة .. تزيلها لتحل محلها أخرى يهودية .. لم يخبرهم أحد أنها استولت على أراضى العرب, فطردتهم لتوطين الإسرائيليين .. كما أنهم أيضا لا يدركون أن اكتشاف الماضى كان عامل حاسم فى بناء الهوية السياسية لإسرائيل .. وهى هدية قدمها علماء الآثار اليهود .. فكانت جميع الرموز الوطنية الإسرائيلية مستمدة من عناصر تراثية .. شعار الدولة، الأوسمة والنياشين، طوابع البريد، النقود.
أولئك الذين لعبوا على عاطفة الشباب العربى – والمصرى بالذات – كطوق نجاة من كل أخطائهم .. اختزلوا وطنهم – عامدين – فى أحد قطاعاته .. تجاهلوا نداءات العقلاء برسم خريطة طبوغرافية لتطور عمران القدس من عصور ما قبل التاريخ حتى الآن .. تلك الخريطة تؤيد ملكيات الأوقاف الإسلامية التى استولت عليها إسرائيل .. وثائق القدس وآثارها المعمارية الإسلامية والمسيحية، مازالت باقية إلى اليوم .. الوقفيات وسجلات محكمة القدس الشرعية تحدد حدود كل منشأه وأبعادها والطرق التى تقع عليها ومكوناتها والأراضى التى تم وقفها.. سواء كانت منشأه دينية أو خيرية أو اقتصادية تدر ريعا.. ليس للقدس وحدها، بل فى فلسطين كلها.
هؤلاء المختبئون دائما تحت الأرض لم يشغلهم أبدا أن تشيع إسرائيل فى كل مكان .. ليصبح أمرا واقعا نقبله جميعا – دون تفكير – بوجود قدسين شرقية وغربية.. وهو ما يشبه الهراء.. فليس هناك تاريخيا سوى قدس واحدة، هى المدينة القديمة وضواحيها.. وهو أمر سهل إثباته وثائقيا.. هؤلاء لا يعنيهم المدينة بعدد سكانها الذى يصل إلى 600 ألف.. 500 ألف يهودى، و100 ألف عربى .. ولا يعنيهم الغرض من تعزيز الاسكان اليهودى فيها كما قال وزير الاسكان الإسرائيلى منذ ما يقرب من 39 عاما .. فى مؤتمر عام 1971 أن المنشآت اليهودية الجديدة – وقتها– غرضها المحدد ليس السكن بل تدعيم الطابع اليهودى للمدينة.. هذا أمر لا يعنيهم.. العقيدة الأهم عندهم فتح منفذ رفح البرى بلا قيد أو شرط!!
ليس مهما أبدا أن يعرف الشباب أن إسرائيل استولت على حى المغاربة وهدمته .. صادرت مساحة هائلة من المسجد الأقصى .. 5 مساجد .. 4 مدارس .. مركزين ثقافيين إسلاميين .. هذا كله ليس مهما .. ففى المزاد دائما البيع لصاحب أعلى سعر.. أما عند الجاثمين على قلب وعقل وصدر غزة لا بد أن يكون مجانا.. وإن شئتم التفاصيل إسألوا جماعة حماس: ماهى استراتيجيتهم وماهو هدفهم من اختصار فلسطين فى غزة؟!!