رقصت ما تسمى بالنخبة فى مصر منذ سنوات قليلة.. على إيقاع المانشيتات الملتهبة للبوتيكات الإعلانية الصغيرة.. التى يسمونها – باقتناع منقطع النظير – صحفا خاصة.. خرجت الواحدة تلو الأخرى نادبة "خصخصة التليفزيون"!!.. وبدأت عملية "تجريس" منظمة للحكومة والمسئولين والنظام برمته.. بيع التليفزيون لرجال الأعمال، هو بيع للتراب الوطنى.. ومسألة أمن قومى لا يملك موظفا عموميا – حتى لو كان وزيرا – قرارا فيها.. صواريخ عابرة للقارات خرجت من جبهة تلك النخبة صوب الحكومة.. وصواريخ مضادة خرجت من جبهة الأخيرة للنفى دفاعا عن النفس.. النخبة تؤكد: خصخصة التليفزيون حدثت سرا.. والحكومة أيضا تؤكد: لم يحدث خصخصة للتليفزيون.. والمواطن المصرى يتابع هؤلاء وأولئك.. منتظرا ما يرجح كفة أى من الطرفين.
ومضى الشهر تلو الآخر.. والمواطن المصرى يتابع.. ولم تحدث عملية بيع القنوات المصرية لأى رجل أعمال.. وانتشت الحكومة فقد خفتت الأصوات التى ندبت من قبل.. ثم ما لبثت أن صمتت إلى الأبد أصوات أصحاب البوتيكات الإعلانية الصغيرة.. صمتت فجأة كما بدأت فجأة.. لأسباب ترتبط بالمال والإعلان وأشياء أخرى!!.
لكن حقيقة الأمر أن الخصخصة قد تمت بالفعل منذ ما يقرب من 5 سنوات!!
عندما ثارت الدنيا من قبل فى وجه خصخصة التليفزيون.. كان الحديث يتم وفق "الكتالوج" القديم للخصخصة.. بيع جسم المؤسسة الهدف.. جدران وأجهزة وبشر وممتلكات.. بيع وشراء عينى.. يستتبعه – كما حدث من قبل – سلسلة من الأزمات لمن سيتم تسريحهم من عمالة.. وكانت الحكومة صادقة فى نفيها خصخصة من هذا النوع.. فقد كان فكرها للخصخصة وفق "كتالوج" آخر ملائم.. بيع ساعات الإرسال.. لشركات أو أفراد.. لوكالات إعلان.. أو من يملكون سطوة الحصول على إعلان أو رعاية من معلن أو أكثر
وخرج التليفزيون من الحكاية كلها.. محتفظا ببناياته فى ماسبيرو أو مدينة الإنتاج الإعلامى.. وبموظفيه الذين يقدرون بعشرات الآلاف.. وبمعداته التى تهالك معظمها.. حتى أن إحدى الشركات اليابانية – وفق ما روى لى أحد المخرجين الكبار – أخطرت التليفزيون بإزماعها الامتناع عن توريد أجهزة التصوير التى تنتجها.. لأن التليفزيون يعامل تلك الأجهزة بإهانة!!.. يتم لصق الكاميرات التى تحمل الماركة الشهيرة.. بدوائر متتالية من "الشيكرتون" أزرق اللون.. مداواة لشروخ أو أعطاب أصابت جسمها.. منتهى الإهانة بحسب الشركة الكبيرة!!
خرج التليفزيون من اللعبة.. فالكلمة النهائية فى البرامج المباعة لمنتجها.. واختيار طاقم المذيعين هو قرار منتجها.. وتحديد ساعات الهواء المطلوبة أمر يخص منتجها.. والمادة الإعلامية التى تبث عبر تلك البرامج من حق منتجها.. تستوى فى ذلك البرامج السياسية والاجتماعية والترفيهية.. أما البرامج الرياضية.. فتلك "كارثة" أخرى!!
تابعتها بانتظام أثناء بطولة الأمم الإفريقية الأخيرة.. وتوقفت عند الليلة التى شهدت فوز المنتخب الوطنى المصرى على الجزائرى.. والتأهل للدور النهائى.. وفاجأنى أحدهم – صادما – بهجوم ضار على المدرب الوطنى وكتيبته الصلبة.. للوهلة الأولى لم أفهم ما المقصود بهذا فى ليلة كهذه؟!.. تابعت.. فأدركت أن الرجل عاقد النية دون أن يطرف له جفن على هدم شحاتة وكتيبته.. انتقاء واضح لما ينشر فى بعض البوتيكات الصغيرة.. قص ولصق لجملة من هنا وأخرى من هناك للوصول للهدف.. تصوير الأمر على أنه نقل لحالة استياء عامة من المدرب الجبار!!.. ولم يدهشنى أن نفس المذيع – الذى يطل على الشاشة بإعلاناته – بعد الفوز بالبطولة لم يستح من الإعلان عن تقديس شحاتة والادعاء بأنه من أوائل من بشروا به.. بل وتزيد الرجل فقال إنه أصدر كتابا عن شحاتة فى العقد قبل الماضى!!
هناك على ضفاف النيل الإعلان سيد الموقف.. فى تلك البناية العتيقة المستقرة فى ماسبيرو منذ 50 عاما.. تقدم – أنت أو من ينوب عنك – بعقودك الإعلانية.. تحصل على ساعات الهواء أو التسجيل التى تريدها.. دونما منغص يطالبك بحرفية أو مهنية أو حيادية أو التزام بالمعايير أو حتى اتقاء لله فى المشاهدين من بنى وطنك!!
هناك فى المبنى الدائرى العتيق.. لا تسأل عن الريادة.. فهى موجودة.. فى مكان ما داخل المبنى.. لا تبحث عنها.. فقد تصيبك الأتربة التى تعلو المتبقى من أرشيف – تم توريده لخارج المبنى – بأزمة تنفس أو حساسية بالعين.. أو قد تجلب لك الأسماء التى تعتلى كراسى ذلك المبنى الإحساس بالاستياء.. فمن لا علاقة له بالإعلام يفتيك فيه.. ومن اعتاد الأعمال المحاسبية أو الهندسية صار يتحكم بالإبداع.. فينفيه بإفساح الطريق أمام ذوى الكفالة الإعلانية!!
كاتبة صحفية بالاهرام*