إيمان محمد إمبابى

مكالمة الأستاذ

الأحد، 03 يناير 2010 07:25 م


الأماكن تظل تفاصيلها وألوانها باقية عبر السنين، البشر تظل رائحة تجاربهم باقية فى يقين الإنسانية عبر السنين، وهناك حكايات تصنعها الرائحة الممتزجة لتجارب البشر فى الأماكن، كل الأماكن، تلك هى الدنيا، وعندما بدأت بالكتابة عن الدنيا، كان يرد إلى الذهن دائما، رائعة أديب نوبل الجميل نجيب محفوظ، "حديث الصباح والمساء"، تلك التى حكى فيها عن الموت والحياة، الميلاد والوفاة، رآها فى ذاك الوقت بهذا الشكل، كل التفاصيل التى يعيشها البشر هى بين قوسين لا ثالث لهما، الميلاد والوفاة، بشر يأتون إلى الدنيا، فينثرون من أرواحهم عبر جنباتها، يرتبطون بأماكن فترتبط بهم، ثم يغادرون، تاركين من أرواحهم بصمات، تحيا طويلا بعد هذا الرحيل، بشر، على اختلاف ألوانهم وطباعهم وأعراقهم، مخلوقون من روح الله، المتصوفة يقولون عبارة رائعة فى هذا، الله داخلنا، فى كل شىء، وأنا أرى أننا نحن داخل الله، فى ملكوته الواسع حتى يوم الدين، وتلك هى الدنيا!.

(1)
كانت تراودنى كثيرا فكرة الكتابة عن الصحافة، وكنت أتردد كثيرا أيضا، فثمانية عشر عاما فى مبنى الأهرام ليست أبدا كافية – فى رأيى – للكتابة، رغم ازدحامها بالتفاصيل والحكايات والصدمات ومناطق النور أيضا، وقررت بالفعل الكتابة فى الأمر، فتحت جهاز الكومبيوتر، وتحركت أصابعى على لوحة المفاتيح دون أن أعتزم شيئاً بعينه، فكان العنوان "محمود عوض.. الأستاذ الذى رحل"، فى بداية شهر رمضان الماضى، رحيل اعتبره البعض قاسيا، ولم أره كذلك، رحل وحيدا، كما عاش طوال عمره وحيدا، ولم أره كذلك أيضا، فقد رحل كما أراد لنفسه، مثلما عاش كما أراد لنفسه، هو الذى اختار أن يحيا وسط الناس وبدونهم فى ذات الوقت، كل الناس، المقربون منه وغير المقربين، وتلك كانت معادلته الصعبة.

(2)
عرفت الأستاذ محمود عوض فى شهر يونيو 2006، ولم أره إلا مرة واحدة بعدها بشهر واحد، ولكنى ظللت أهاتفه على تليفون منزله باستمرار، كنت قد سعيت للقائه طويلا وكثيرا عبر أصدقاء أعرف درجة قربهم منه، تابعته عبر كتاباته أكثر، وذات يوم، وكان التاكسى قد توقف بى أمام مؤسسة الأهرام، حين دق هاتفى المحمول، كان على الطرف الآخر الزميلة الصديقة زينب الإمام رئيسة قسم تحقيقات وتقارير خارجية بالأهرام: "أين أنت؟"، قلت لها: "أمام الأهرام"، قال: "اصعدى فورا، الأستاذ محمود عوض يريدك على وجه السرعة"، لم أنطق، عقدت المفاجأة لسانى، الأستاذ يريدنى أنا؟!، تعجلت أسانسير الأهرام ليصعد بى إلى الرابع، حيث صالة التحرير، قبل أن أفتح باب مكتبها، بادرنى الأستاذ محمد عبد الهادى الرئيس السابق للقسم الدبلوماسى بالأهرام قائلا: "الأستاذ محمود عوض يريدك بسرعة"، قلت له: "شكرا"، دخلت مكتب الأستاذة "زينب"، أعطتنى رقم تليفون منزله وقال: "الأستاذ يريدك أن تهاتفيه، ماذا فعلتى؟!"، قلت ضاحكة: "والله لم أفعل شيئا"، مررت عبر الممر الطويل الملتف حول صالة تحرير الأهرام، دالفة إلى الغرفة الزجاجية لدسك الطبعة العربية، بادرنى الزملاء: "الأستاذ محمود عوض تكلم ويريدك أن تهاتفيه"، جلست إلى مكتبى ممسكة بسماعة الهاتف، أضغط بأصابعى رقمه، وضربات قلبى تتسارع: "الأستاذ محمود؟، أنا إيمان إمبابى"، كانت المرة الأولى، ولم تكن الوحيدة، كانت مرحبا بشوشا مبتهجا دائما معى،

(3)
الأستاذ محمود عوض أجرى ثلاثة مكالمات تليفونية ذاك الصباح، طالبا صحفية لا يعرفها ولم يسمع بها من قبل، مدفوعا بالمهنة، تلك التى لم يعرفها أو يحترمها أو يضار بسببها أحد مثله، كنت قد انفردت – عالميا – للأهرام بتفاصيل ما دار فى آخر اجتماعات البنك الدولى، والتى أقيل أو استقال بعدها رئيسه، مهندس حرب العراق بول وولفويتز فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ البنك منذ إنشائه فى أربعينيات القرن الماضى، كنت أتابع الملف وتداعياته قبل أشهر طويلة من تفجره، وكان الأستاذ أيضا يتابعه فى مقالاته على صفحات "الحياة"، اهتم ليعرف من أين حصلت على المعلومات، اهتم أن يقول كلمة تحية لصحفية صغيرة، ثلاث مكالمات عمدا وقصدا، تحمل شهادة كبيرة جدا لا يعرفها الكثيرون، لم يعرفها أبدا مدير التحرير الذى لم يدرك معنى كلمة انفراد، مفضلا التأجيل والاعتماد على الوكالات!!

(4)
كنت أحب حديثه، وكنت أحب هذا العمر، 7 عقود، تأسرنى دائما لأنها بالنسبة لى عمر الأبوة، أعشق من هم فى هذا العمر، لأنى عشقت والدى رحمه الله فى هذا العمر، يتشابهون دائما، فى نبرة الصوت وهدوئه، وخبرة الحياة مهما تنوعت، وملامح وجوههم مهما اختلفت، وتعاطيهم مع الآخر، أفتقده رغم قصر حوارى معه، وأفتقد والدى، رحم الله كليهما.

*صحفية فى الأهرام


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة