إيمان محمد إمبابى

نحن لا ننظر للخلف!

الأحد، 17 يناير 2010 07:41 م


لم تكن لدى النية للكتابة مرة أخرى عن موضوع الشخصية الجزائرية.. لسببين هما: أولا لأنى لم أعتد النظر للوراء.. أكتب الفكرة فتدور وتؤتى ثمارها بالتفاعل معها أو حولها.. وثانيا: لأنى لا أكتب لتحليل شخصيات الشعوب.. وبالتالى فإن مقالى السابق لم يكن لتحليل شخصية الجزائريين كما فهم البعض.. لكن حجم الالتباس الذى يقرب من المغالطة فى حملته مشاركات وتعليقات القراء من الجزائر فرضت على حتمية الكتابة فى الموضوع مرة أخرى..

(1)

للتوضيح أقول أن الصحفى عين ترصد ما ترى بسرعة.. وتختزل مفردات وتفاصيل كثيرة.. ثم تهضمها وتعكسها فى كلمات للبشر, ممن يملكون القدرة على القراءة بحق.. فى اللحظة التى يرى فيها الصحفى – وهنا أتحدث عن الصحفى الحقيقى – لقطة بعينها أو صورة ما أو مشهد, بغض النظر عن كنهه.. يتحول بسرعة داخل رأسه إلى مجموعة من الدلالات.. تحكمها بعض التفاصيل المستدعاه عفوا من تجربته فى الحياة.. وهنا يكون حديثه أو كتابته عن تلك اللقطة نوعا من القراءة العابرة للحظة بعينها إلى ما هو أعمق وأبعد..

ولأن الصحفى فى أدواته ومهاراته وقدراته.. يختلف تماما عن الباحثين والأكاديميين المتخصصين فى فرع أو تخصص بعينه.. فإن حديثه أو كتابته تختلف تماما عن أولئك المتخصصين – ولهم كل التقدير – فالكتابة الصحفية كتابة تختلط فيها الروح الإنسانية.. بالتجربة الحياتية للكاتب.. ثم بما لديه من معلومات.. وما استطاعت عينه أن تلتقط من مشاهدات وأحداث ووقائع.. لتصبح فى النهاية خلطة يصعب جدا الفصل بين مفرداتها تلك.. أو حتى محاولة تجاهل واحدة منها.. هى كتابة لها رائحة البشر.. أما الكتابة الأكاديمية – وليعذرنى كل الأصدقاء من الأكاديميين – كتابة التجريد والمعلومات والتحقق النظرى من المعطيات.. وهى كتابة تبعد كثيرا عن الجماهير القارئة.. لذا فلا معنى إطلاقا للمقارنة بين هذين اللونين من الكتابة.. ولا معنى أيضا لمحاولة تقييم اللون الأول بتطبيق معايير الثانى عليه.. فهنا يدخل الأمر برمته فى متاهة تبعد كثيرا عن الموضوع المطروح للنقاش.. وهنا تكمن المشكلة.. دائما ما تكون مناقشة فكرة فى مقال هو هجوم على الكاتب.. أو العروج بالموضوع برمته إلى أشياء أخرى..

(2)

تلك مقدمة – لا بد منها – طالت بعض الشىء.. كل التقدير لمن هاجمنى على موقع اليوم السابع الأسبوع الماضى.. تعليقا على ما كتبته عن الشخصية الجزائرية.. متهما شخصى المتواضع بالسطحية فى الحكم على شعب الجزائر بعد زيارة 10 أيام لأرضه.. ولهؤلاء أقول: تعاملت مع جزائريين منذ العام 1990.. فى القاهرة ودمشق وعمان وباريس وستراسبورج وفرانكفورت.. كما تعاملت مع أشقاء وأصدقاء مغاربة وتونسيين أيضا.. أكن كل التقدير لمن تعاملت معهم عن قرب, أو حتى عن بعد.. وبالمناسبة فجميعهم يتحدثون اللغة الفرنسية.. الخيط الرفيع الذى أدهشنى فى الشخصية الجزائرية هو عقدة الفرنسية, إن جاز القول.. عشرتى مع الجزائريين امتدت بين أروقة مدرج الدراسات العليا فى كلية الآداب جامعة عين شمس.. وفى دورات تدريبية صحفية فى دول عربية وأوروبية.. وفى عمل مشترك مع منظمات كندية وأمريكية.. أدركت طوال 20 عاما اختلاف الشخصية الجزائرية عن التونسية والمغربية.. رغم تكرار تأكيد الجزائريين على أنهم – إنسانيا – جزء من المغرب العربى.. وهذا مناف للحقيقة بالمرة.. الحقيقة التى لمستها بأصابعى ورأيتها بعينى واختزلتها فى ذاكرتى لسنوات.. ومن هنا كان حديثى عن اللغة الفرنسية فى الوعى الجزائرى كمفتاح للشخصية الجزائرية.. دونما الخوض فى تحليل تلك الشخصية.. فهذا ليس موضوعى ولا هدفى.. ودونما التذكير بحقائق تاريخية يعلمها الجميع مرتبطة بفكرة عقدة اللغة..

(3)

أما عن كل الذين عرفتهم وصادقتهم فى حياتى من تونس والمغرب فالأمر كان جد مختلف.. يتحدثون الفرنسية نعم.. لكنها لا تترك فى حلوقهم مرارة.. يدركون أنهم كانوا تحت استعمار فرنسى أثر فى لغتهم.. لكن لأن أرضهم الواقفون عليها كانت صلبة.. فقد استفادوا مرتين.. مرة بخروج المستعمر والحصول على الحرية.. ومرة بإجادتهم للغة الفرنسية.. والتواصل الحقيقى غير المشروط مع دولته على الجانب الآخر من المتوسط.. ففى باريس وستراسبورج – الواقعة على حدود الدولتين الفرنسية والألمانية – حيث أقمت شهرا أدرس القانون الدولى وحقوق الإنسان.. وفى كيل وبادن بادن المدينتين الألمانيتين شاهدتهم – التونسيين والمغاربة – عن قرب مرارا وتكرارا.. أعجبنى ممارستهم لأعمالهم واستقرارهم ونجاحهم وتواصلهم مع المجتمع الذى يعيشون فيه.. والوافدين من العرب على مختلف جنسياتهم لتلك المدن.. وهى كلها أمور بعيد عنها الجزائريين.. وهذه مشاهدات من الواقع لا علاقة لها بتحليل وانتقاد شخصية ما..

كتبت فى المرة السابقة عن اندهاشى من فكرة الإصرار على النظر للخلف.. وأكتب الآن أنه لا فائدة فلينظر من يريد إلى الخلف.. هذا أمر مكفول لكل بشر.. شريطة ألا يستدرجنا للنظر معه للخلف.. أو قبول أفكار حول ماض يفترض أنه انتهى.. هذه قناعة ليست شخصية.. فكرة مصرية أصيلة.. خط رئيسى وواضح فى شخصية شعب قديم يدرك جيدا قيمة العبور إلى المستقبل.. وأهمية النظر للأمام.. فنحن لا ننظر للخلف!!


* كاتبة صحفية بالأهرام



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة