تخوض كايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، معركة سياسية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لمواجهة خطط فرنسية ألمانية لإعادة هيكلة جهاز العمل الخارجي الأوروبي، وسط خلافات حول مستقبل الجهاز وحدود نفوذ المفوضية الأوروبية في رسم السياسة الخارجية للتكتل.
ووفقًا لصحيفة بولتيكو ، تتحرك كالاس خلف الكواليس لإقناع عواصم الاتحاد بأن مشكلات السياسة الخارجية الأوروبية لا ترتبط بالهيكل المؤسسي الحالي لجهاز العمل الخارجي الأوروبي، وإنما بقواعد اتخاذ القرار التي تشترط الإجماع في العديد من الملفات، إلى جانب ضعف تطبيق بعض معاهدات الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتعرض فيه جهاز العمل الخارجي الأوروبي، الذي تأسس قبل نحو 15 عامًا، لضغوط متزايدة لإصلاح طريقة عمله، في ظل التحديات التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أوروبا، والحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب تصاعد التنافس مع الصين.
صراع على النفوذ داخل بروكسل
وتخشى دوائر مقربة من كالاس من أن تؤدي الإصلاحات المقترحة إلى تعزيز نفوذ المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين على ملفات السياسة الخارجية، بما قد يقلص عمليًا هامش تحرك الممثل الأعلى للشؤون الخارجية.
وقالت كالاس، عقب اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في ويكلو بأيرلندا، إن المشكلة لا تكمن في المعاهدات أو الهيكل المؤسسي للاتحاد، وإنما في كيفية تنفيذ القواعد القائمة.
وأضافت أن جعل السياسة الخارجية الأوروبية أكثر سرعة وفاعلية أمر ضروري، لكنها ترى أن تحقيق ذلك يمكن أن يتم من خلال تطبيق القواعد والمعاهدات الحالية، بدلًا من إجراء تغييرات مؤسسية واسعة.
ونقلت مصادر أوروبية عن كالاس قولها للصحفيين إن "المشكلة ليست في المعاهدات، ولا في الهيكل المؤسسي. المشكلة تكمن في التنفيذ".
كالاس تستعين بأمينة عامة جديدة
وتتحرك كالاس في مواجهة المقترحات الفرنسية الألمانية من خلال كايسا أولونجرين، الأمينة العامة الجديدة لجهاز العمل الخارجي الأوروبي، التي بدأت جولة على عواصم دول الاتحاد الأوروبي لبحث رؤى الحكومات بشأن إصلاح الجهاز.
ومن المنتظر أن تعرض أولونجرين نتائج جولتها على موظفي جهاز العمل الخارجي الأوروبي، كما يتوقع طرح فكرة تشكيل فريق عمل داخلي لبحث الإصلاحات الممكنة داخل الجهاز.
ويشارك في هذا المسار عدد من كبار مسؤولي الجهاز، بينهم الأمينة العامة السابقة بيلين مارتينيز كاربونيل، التي أجلت تولي منصبها كرئيسة لوفد الاتحاد الأوروبي في المكسيك لتقديم المشورة بشأن عملية الإصلاح، إلى جانب مسؤول أوروبي رفيع هو تشارلز فريز.
وتهدف هذه التحركات إلى إبقاء زمام نقاش الإصلاح داخل جهاز العمل الخارجي نفسه، في محاولة للحفاظ على استقلاليته كمكون منفصل عن المفوضية الأوروبية.
ماذا تريد فرنسا وألمانيا؟
وتقترح الخطة الفرنسية الألمانية، وفق وثيقة اطلعت عليها "بوليتيكو"، نقل جزء كبير من موظفي جهاز العمل الخارجي الأوروبي إلى المفوضية الأوروبية، في خطوة من شأنها زيادة اندماج الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي مع العمل الدبلوماسي.
ورغم أن المقترحات تتضمن تعزيز الدور الرسمي لكالاس، فإن حلفاءها يرون أن نقل الموظفين ودمج أجزاء من الجهاز داخل المفوضية قد يؤدي في النهاية إلى زيادة نفوذ فون دير لاين على ملفات السياسة الخارجية.
ويعمل جهاز العمل الخارجي الأوروبي حاليًا في منطقة وسطى بين مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية؛ إذ تعمل كالاس مع الحكومات الوطنية داخل المجلس الذي تتخذ فيه قرارات السياسة الخارجية، بينما ينسق جهاز العمل الخارجي مع المفوضية في ملفات العمل الخارجي للاتحاد.
معركة أخرى حول التصويت بالأغلبية
ولا تقتصر الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي على شكل الجهاز الدبلوماسي، بل تمتد إلى آلية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية والأمنية.
ففي الأيام الأخيرة، وقعت 11 عاصمة أوروبية، من بينها باريس وبرلين، رسالة مفتوحة إلى كالاس تدعو إلى جعل قرارات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أكثر كفاءة وسرعة.
وتفتح الرسالة الباب أمام استخدام أكثر انتقائية للتصويت بالأغلبية المؤهلة في بعض قرارات السياسة الخارجية والأمنية، بدلًا من اشتراط الإجماع الكامل بين الدول الأعضاء.
وينظر إلى قاعدة الإجماع باعتبارها أحد أبرز العوامل التي قد تعطل تحرك الاتحاد الأوروبي في الملفات الخارجية، خاصة مع الخلافات التي شهدتها السنوات الماضية بشأن دعم أوكرانيا، والتي ارتبط بعضها بمواقف الحكومة المجرية السابقة برئاسة فيكتور أوربان.
ومن ناحيتها، ترى كالاس أن تغيير قواعد صنع القرار ليس بالضرورة الحل الوحيد، وأن الاتحاد يمتلك بالفعل أدوات قانونية ومعاهدات تمنح الممثل الأعلى دورًا في الإشراف على بعض وحدات السياسة الخارجية داخل المفوضية.
مستقبل دبلوماسية الاتحاد الأوروبي على المحك
وتعكس المواجهة الحالية خلافًا أوسع حول مستقبل السياسة الخارجية الأوروبية: هل يحتاج الاتحاد إلى إعادة بناء جهازه الدبلوماسي ودمجه بصورة أكبر داخل المفوضية، أم أن المشكلة الأساسية تكمن في آلية اتخاذ القرار وعدم تنفيذ الصلاحيات القائمة؟
وبينما تضغط فرنسا وألمانيا من أجل إصلاحات هيكلية، تسعى كالاس إلى توجيه النقاش نحو إصلاح آليات اتخاذ القرار وتطبيق المعاهدات، مع الحفاظ على جهاز العمل الخارجي ككيان منفصل يتمتع بدور واضح في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.