اتفاق أوروبا وميركوسور يقلب معادلة التجارة.. مزارعو أمريكا الجنوبية يخشون اجتياح المنتجات الأوروبية لأسواقهم وتهديد النبيذ والأجبان والعسل والقطاعات الزراعية.. وحكومات التكتل تراهن على مكاسب تصديرية ضخمة

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 05:00 ص
اتفاق أوروبا وميركوسور يقلب معادلة التجارة.. مزارعو أمريكا الجنوبية يخشون اجتياح المنتجات الأوروبية لأسواقهم وتهديد النبيذ والأجبان والعسل والقطاعات الزراعية.. وحكومات التكتل تراهن على مكاسب تصديرية ضخمة التجارة فى أوروبا - أرشيفية

فاطمة شوقى

لم يكن اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور مجرد صفقة لفتح الأسواق أمام صادرات أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، بل بدأ يكشف وجهًا آخر أكثر تعقيدًا مع دخول الاتفاق حيز التطبيق المؤقت، إذ وجد بعض المنتجين في البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراجواي أنفسهم أمام منافسة أوروبية مباشرة داخل أسواقهم المحلية.

 

بعد 25 عاما من المفاوضات

وبعد أكثر من 25 عامًا من المفاوضات، دخل الاتفاق التجاري بين الجانبين مرحلته التنفيذية في الأول من مايو 2026، ليؤسس واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم سوقًا يصل إلى نحو 720 مليون مستهلك، وفقا لصحيفة البيريوديكو الإسبانية.

وكانت دول ميركوسور قد نظرت إلى الاتفاق باعتباره فرصة استراتيجية لتعزيز صادراتها إلى أوروبا، وفتح أبواب أوسع أمام المنتجات الزراعية والغذائية في سوق ضخمة تتمتع بقدرة شرائية مرتفعة. لكن تخفيض الرسوم الجمركية أمام السلع الأوروبية يعني في المقابل وصول المزيد من المنتجات القادمة من القارة العجوز إلى أسواق أمريكا الجنوبية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بين المنتجين المحليين.

وتتركز المخاوف بشكل خاص في قطاعات مثل النبيذ والأجبان والعسل وغيرها من المنتجات الغذائية التي يمكن أن تجد نفسها في مواجهة علامات أوروبية تتمتع بسمعة قوية وخبرة طويلة في الأسواق العالمية.

ويمنح الاتفاق المنتجات الأوروبية وصولًا أفضل إلى أسواق ميركوسور، إذ ينص على خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على نسبة كبيرة من السلع الأوروبية، فيما تشير المفوضية الأوروبية إلى أن الاتفاق يخفض الرسوم السابقة على منتجات زراعية وغذائية رئيسية، بينها النبيذ والمشروبات الروحية وزيت الزيتون والشوكولاتة. كما تتوقع بروكسل أن ترتفع صادرات المنتجات الزراعية الأوروبية بنحو 50%.

 

قلق بعض المنتجين فى دول أمريكا الجنوبية

وتكشف هذه الأرقام سبب تحول الاتفاق إلى مصدر قلق لدى بعض المنتجين في دول أمريكا الجنوبية. فبينما كان المزارعون الأوروبيون طوال سنوات المفاوضات يخشون من تدفق المنتجات الزراعية الرخيصة من البرازيل والأرجنتين وغيرها، أصبح المنتجون في ميركوسور يواجهون الآن الجانب الآخر من المعادلة: كيف يمكنهم الحفاظ على حصتهم في السوق المحلية عندما تصبح المنتجات الأوروبية أكثر قدرة على المنافسة؟
ولا تقتصر المسألة على الأسعار وحدها، إذ تمتلك المنتجات الأوروبية في العديد من القطاعات ميزة العلامة التجارية والجودة والتنوع، وهي عوامل قد تزيد من جاذبيتها لدى المستهلكين في أسواق ميركوسور.

وتشير تفاصيل الاتفاق إلى أن تحرير التجارة لن يحدث دفعة واحدة في جميع القطاعات، بل ستُطبق التخفيضات الجمركية تدريجيًا على عدد كبير من المنتجات، مع وجود حصص وتعريفات تفضيلية لبعض السلع الزراعية الحساسة. ويشمل الاتفاق، على سبيل المثال، حصصًا محددة لمنتجات مثل الجبن والحليب المجفف وبعض السلع الزراعية، ما يعكس حساسية قطاع الأغذية بالنسبة للطرفين.

وفي البرازيل، أكبر اقتصادات ميركوسور، تبرز أهمية هذه التحولات بصورة خاصة، إذ من المتوقع أن يؤدي فتح الأسواق إلى زيادة المنافسة في قطاعات غذائية مختلفة. وتشير بيانات مرتبطة بالاتفاق إلى أن ميركوسور سيخفض أو يلغي الرسوم على عدد من المنتجات الزراعية الأوروبية، بينها النبيذ الذي كانت بعض وارداته تواجه رسومًا تصل إلى 35%، إلى جانب منتجات أخرى مثل زيت الزيتون والشوكولاتة.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل بالنسبة لدول ميركوسور. فالاتفاق يمنح منتجيها أيضًا فرصة كبيرة للوصول إلى السوق الأوروبية وتقليل الحواجز أمام صادراتهم، خصوصًا في قطاعات تتمتع فيها أمريكا الجنوبية بقدرة إنتاجية وتنافسية قوية.

وتراهن حكومات التكتل على أن زيادة الصادرات والاستثمارات والتجارة مع أوروبا ستخلق فرصًا جديدة للشركات والمزارعين، وتساعد اقتصادات المنطقة على تنويع شركائها التجاريين بدل الاعتماد المفرط على عدد محدود من الأسواق.
كما أن الاتفاق لا يفتح الأسواق أمام السلع فقط، بل يوسع فرص التعاون والاستثمار والوصول إلى قطاعات الخدمات والمشتريات الحكومية، ما يمنح الشركات في الجانبين فرصًا تتجاوز التجارة الزراعية التقليدية.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام ميركوسور هو توزيع مكاسب الاتفاق بصورة متوازنة. فقد تستفيد الشركات الكبرى والمصدرون من سهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبية، بينما تواجه المشروعات الزراعية الصغيرة والمتوسطة صعوبة أكبر في تحمل المنافسة الجديدة داخل السوق المحلية.

وهنا تظهر المفارقة التي فرضها الاتفاق: فالمزارعون الأوروبيون الذين أمضوا سنوات في التحذير من منافسة منتجات أمريكا الجنوبية أصبحوا الآن يرون في الاتفاق فرصة للوصول إلى سوق جديدة، بينما بدأ بعض المنتجين في ميركوسور يطرحون السؤال نفسه الذي شغل نظراءهم الأوروبيين لسنوات: هل تستطيع

 

الزراعة المحلية الصمود أمام المنافسة الخارجية؟

وبين وعود النمو ومخاوف المنتجين، يدخل اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور مرحلة اختبار حقيقية. فنجاحه لن يقاس فقط بحجم الصادرات الجديدة أو قيمة التجارة بين الجانبين، وإنما بقدرته على خلق مكاسب متوازنة دون أن تتحول عملية فتح الأسواق إلى ضغط خانق على المنتجين الأكثر هشاشة.
وبذلك، فإن الصفقة التي بدأت باعتبارها انتصارًا للتجارة الحرة قد تتحول إلى معركة جديدة داخل أسواق ميركوسور نفسها، حيث سيكون على المزارعين والمنتجين إثبات قدرتهم على المنافسة أمام منتجات أوروبية تحمل معها أسعارًا أكثر تنافسية، وعلامات تجارية راسخة، وخبرة طويلة في الأسواق العالمية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة