غالبية المصريين على وجه التحديد، وعلى النقيض من شعوب العالم، يتعاملون مع مواقع التواصل الاجتماعى، باعتبارها من ممتلكاتهم الخاصة، فيتحدثون عن «صفحاتهم وحساباتهم» بصيغة الملكية التى لا تُنتزع منهم، ويتعاطون معها باعتبارها مصدرا موثوقا فيه لدرجة عالية، فيدونون عليها أسرارهم ومشاكلهم الخاصة، بكل أريحية وثقة مفرطة، ويتعاطون مع ما يكتبه غيرهم باعتباره الحقيقة المطلقة التى لا يقترب منها الباطل، دون إدراك حقيقى أن هذه المواقع تمتلكها كيانات لها أهداف خاصة.
فعلى سبيل المثال، فإن جزءا هائلا من البيئة التقنية التى سمحت لهذه المواقع بالظهور وصارت إمبراطوريات كبرى، خرجت من رحم أبحاث وتمويل حكومى أمريكى، وأن العلاقة بين الدولة والقطاع التكنولوجى لم تتوقف عند حدود التمويل القديم، بل عادت اليوم بصورة مباشرة وواضحة مع الذكاء الاصطناعي!
وقد يتصور البعض، سواء عن عمد، أو لتصوّر خاطئ مبنى على منسوب وعى ومعرفة منخفض، أن فكرة السيطرة على العقول وبيانات المواطنين، وُلدت من رحم الزمن القريب، وتحديدا الزمن الذى واكب ولادة مواقع التواصل الاجتماعى، وجوجل، وإنما بدأ بمشروع «أربانت» عام 1969 الذى أطلقته وكالة مشاريع البحوث المتطورة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، بهدف نقل بيانات واسعة النطاق تعتمد على تقنية «تبديل الحِزَم”، ويُعَدّ النواة الأولى والأساس التقنى لشبكة الإنترنت الحديثة، وتوقف هذا المشروع فى 1990.
وكالة مشاريع البحوث المتطورة «داربا» التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، أكدت أن أبحاثها فى ستينيات القرن الماضى لعبت دورا مركزيا فى إطلاق ثورة المعلومات، وإن «أربانت» كانت اللبنة الأساسية التى قادت إلى الإنترنت الحديث.
من هُنا يمكن الإمساك بطرف الخيط الحقيقى لكشف الحقيقة التى دُهِسَت تحت أقدام العناوين المثيرة؛ أن الشبكة العنكبوتية الحديثة «الانترنت»، التى صارت لاحقا منصة لشبكات التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى، وغيرها من المنصات التى لا تُعد ولا تُحصى، لم تولد من شركة خاصة تبحث عن أرباح الإعلانات، وإنما ولدت من رحم الحكومة الأمريكية، خاصة المؤسسات البحثية المرتبطة بوزارة الدفاع والأجهزة الأمنية؛ وهذه الحقائق ليست سرا دفينا، ولا نظرية مؤامرة، وإنما هو معلن ومعروف فى سجلات التاريخ الرسمى للتكنولوجيا الأمريكية.
فعلى سبيل المثال، قصة تأسيس جوجل، وفقا للمصادر الرسمية الأمريكية، بدأت بفكرة لطالبين فى جامعة «ستانفورد» عندما طوّرا محرك البحث الذى عُرف أولا باسم «باك رب»، ثم سرعان ما ارتبط المشروع بقصة المكتبات الرقمية فى «ستانفورد» وأن معدات النموذج الأوّلى حصلت على تمويل من حكومى ومساهمات صناعية، ثم تحولت الفكرة فى 1998 إلى شركة جوجل.
الشاهد هنا، أن هناك تمويلاً حكوميًا، وأن جوجل خرجت من منظومة بحثية استفادت من الاستثمار العام والجامعي، قبل أن تتحول إلى شركة خاصة عملاقة.
أما «فيسبوك» فهو المنصة الأكثر وضوحا، فقد أطلق، مارك زوكربيرج، المنصة فى جامعة «هارفارد» فى 2004 ولم تكن فى فراغ تكنولوجى منفصل عن الدولة، فقد استفادت الشبكة الاجتماعية من بنية الإنترنت والحوسبة والاتصالات التى تطورت عبر عقود، وكان للحكومة الأمريكية دور أساسى فى المراحل المبكرة من تلك البنية.
ونفس الأمر حدث مع منصة «تويتر» سابقا «إكس» حاليا، فقد ولدت المنصة فى قلب وادى السيلكون فى 2006 كفكرة فى البداية، تعتمد على الرسائل النصية لمشاركة تحديثات الحالة، ثم سرعان ما صارت منصة تويتر واحدة من أهم منصات الاتصال السياسى والإخبارى فى العالم، ودخلت فى قلب نقاشات الأمن القومى والتأثير المعلوماتى والحرب الإلكترونية، وهذا يوضح كيف يمكن لتكنولوجيا نشأت لأغراض اجتماعية بسيطة أن تصبح لاحقا ذات قيمة استراتيجية للدول والجيوش!
أما «تشات جى بى تى» التى تأسست فى 2015 فإن الشركة المالكة للمنصة، حصلت على 200 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» فى عام 2025 بموجب عقد رسمي، بهدف تطوير قدرات ذكاء اصطناعى أولية لمعالجة تحديات تتعلق بالأمن القومى والحروب ومجالات مؤسسية أخرى؛ ووفق ما ذكرته وكالة رويترز عن وزارة الدفاع الأمريكية أن العقد يستهدف تطوير قدرات ذكاء اصطناعى متقدمة لمواجهة تحديات الأمن القومي.
وفى 2026 أعلنت شركة «أوبن إيه آي» المؤسسة لمنصة «تشات جى بى تى» بصورة أكثر وضوحا ومباشرة، إدخال نسخة من «تشات جى بى تي» إلى منصة «جين إيه آى ميل» التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، مبررة ذلك بأن المنصة مخصصة للاستخدام الحكومي، وإنها ستدعم تحليل الوثائق والبحوث والتخطيط والمهمات الإدارية وغيرها، وأيضا، التعاون مع وكالة مشاريع البحوث المتطورة «داربا» التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، لمساعدة المدافعين فى مجال الأمن السيبراني.
تأسيسا على هذه الحقائق يقفز السؤال الصعب: ماذا يحدث عندما تصبح التكنولوجيا التى يستخدمها مليارات البشر فى حياتهم اليومية جزءا من البنية الاستراتيجية للدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا فى العالم؟
الإجابة واضحة، أن الجميع سيكون تحت مجهر كيانات وأجهزة توظف كل البيانات المنشورة لمصلحتها وأهدافه!
قلنا وما زلنا نردد نقول، «خلوا بالكم!».. جوجل وفيسبوك وإكس وتشات جى بى تى تحت إدارة وتحكم البنتاجون، والكيانات والأجهزة التابعة لها، وأيضا التابعة لدول معادية!