بيشوى رمزى

"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 09:40 ص


لم تكن العلاقات التي تبنيها الدول مع القوى الكبرى منفصلة دائما عن بقية علاقاتها الخارجية، فعلى امتداد عقود طويلة، وبصورة أكثر وضوحا خلال الحرب الباردة، كان الاقتراب من إحدى القوى الرئيسية يعني بدرجات متفاوتة قبول حدود تفرضها طبيعة هذه العلاقة على مساحة الحركة تجاه خصومها، وحتى بعد انتهاء الاستقطاب الثنائي استمرت هذه المعادلة في ظل لحظة أحادية أتاحت للقوة المهيمنة قدرة أكبر على التأثير في خيارات شركائها

إلا أن التحولات التي أصابت بنية النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، واتساع دوائر المنافسة وتشابك المصالح، أعادت فتح مساحة مختلفة أمام الدول القادرة على رفع قيمتها في السوق الدولي، فلم يعد السؤال بالنسبة لهذه الدول هو كيف تقف على مسافة متساوية من القوى المتنافسة، وإنما كيف تحتفظ بعلاقات متفاوتة في عمقها ووظائفها مع هذه القوى دون أن تمنح أيا منها حق تحديد حدود علاقاتها بالآخرين، وهو تحول يطرح سؤالا يتجاوز استقلال القرار الخارجي نفسه، نحو ما إذا كانت قيمة دولة ما مرتفعة إلى الحد الذي يجعل القوى المتنافسة أكثر استعدادا لتحمل وجود بعضها داخل محيطها الاستراتيجي من استعدادها لخسارة مصالحها فيها.

ولعل الحديث عن هذا التحول يدور في مسارين متوازيين، أولهما موقف الدولة من القوى المتنافسة نفسها، وما إذا كان يمكن اعتباره تكرارا لنهج "عدم الانحياز" في إطار الحرب الباردة، أم أنه يمثل نهجا مختلفا يتواكب مع المستجدات التي تشهدها البيئة الدولية، فيما يرتبط المسار الثاني بمواقف القوى المتنافسة تجاه الدولة نفسها، وما إذا كان ارتفاع قيمتها بالنسبة إلى كل منها يمكن أن يدفعها إلى قبول بقاء خصومها داخل دائرتها الاستراتيجية، بدلا من جعل إقصائهم شرطا للحفاظ على مصالحها فيها.

فلو نظرنا إلى موقف الدولة التي تجتمع القوى المتنافسة داخل محيطها الاستراتيجي، نجد أن ثمة اختلافا عن نهج عدم الانحياز، الذي تبنته مجموعة كبيرة من دول العالم خلال الحرب الباردة، والتي آثرت حينها عدم الانغماس في الصراع بين المعسكرين حفاظا على استقلال قرارها وتعزيزا لقدرتها على بناء علاقاتها مع أطراف المعادلة الدولية، إلا أن الأمر ربما لم يعد قاصرا اليوم على قرار الدولة بعدم الانحياز إلى أحد الأطراف، في ضوء بيئة دولية أصبحت فيها تداعيات الصراع أكثر امتدادا وتشابكا، وإنما بات يرتبط بقدرتها على الاحتفاظ باستقلالية شبكة علاقاتها نفسها، بحيث لا تتحول علاقتها بإحدى القوى إلى قيد يحدد طبيعة علاقاتها بالقوى الأخرى، ولا يصبح تعميق العلاقة مع طرف مرهونا بتقليصها مع خصمه.

والاستقلالية ليست مجرد قرار تتخذه الدولة من تلقاء نفسها، وإنما تنبع كذلك من قيمتها وأهميتها بالنسبة إلى أطراف الصراع، إلى الحد الذي يجعل كلفة خسارتها، أو حتى تقليص العلاقة معها، أكبر من كلفة القبول ببقاء الخصم داخل محيطها الاستراتيجي، وهي قيمة لا تنتج فقط مما تمتلكه الدولة من موقع جغرافي أو موارد أو سلاسل إمداد أو قدرات تكنولوجية، وإنما من قدرتها أيضا على تحويل ما تمتلكه إلى وظائف يحتاجها الآخرون، وبناء مؤسسات قادرة على إدارتها وحماية استقلال القرار بشأنها، إلى جانب دبلوماسية تستطيع توسيع دوائر الحركة دون أن تجعل العلاقة مع طرف مدخلا لفرض الحصرية على بقية علاقاتها.

وهنا يبدو اختلاف آخر عن الحقب الماضية، حيث كان وجود أطراف متنازعة داخل المحيط الاستراتيجي لدولة ما يحولها إلى ساحة للاستقطاب الدولي، سواء في مرحلة الحرب الباردة، أو حتى في زمن الأحادية القطبية، إلا أن الأمر يبدو مختلفا إذا ما كانت الدولة "الثالثة"، أي الدولة التي تجتمع داخل محيطها الاستراتيجي مصالح قوى متنافسة، لديها من القدرة ما يسمح لها باستيعاب مصالح مختلفة ومتباينة، وهو ما لا يمكن إنتاجه إلا إذا امتلكت القدرة على تنويع الوظائف التي يمكنها تقديمها، بما يفتح المجال أمام كل طرف للاستفادة من علاقته معها دون أن يصبح ذلك مرهونا بالسيطرة على مجالها الاستراتيجي.

ومن هذا المنظور، ربما نجد أن ثمة اختلافا جذريا في رهان القوى الإقليمية، ففي الماضي كانت تعتمد بصورة أو بأخرى على تنويع علاقاتها وشركائها، بما يمكنها من تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي، في حين أصبح الرهان في اللحظة الراهنة أكثر ارتباطا بـ"تنويع الوظائف" التي يمكنها القيام بها، لتتحول المعادلة من سعي الدولة إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الأطراف المختلفة، إلى سعي القوى المتنافسة نفسها إلى الحفاظ على علاقاتها بالدولة لما تمثله من قيمة وما تؤديه من وظائف يصعب الاستغناء عنها.

والملفت أن صيغة "تنويع الوظائف" تمثل تحولا مهما في دور القوى الإقليمية إذا ما قورنت بـ"تعدد الشركاء"، الذي ساد لعقود، فالأخير يقوم على توسيع البدائل المتاحة أمام الدولة بما يمنحها هامشا أكبر للحركة، أو يقلل من كلفة توتر العلاقة مع أحد أطراف المعادلة الدولية، بينما يقوم "تنويع الوظائف" على معادلة معاكسة، لا تبحث فيها الدولة فقط عما يمكن أن تحصل عليه من تعدد علاقاتها، وإنما عما يمكن أن تقدمه من وظائف متعددة ترفع حاجة الأطراف المختلفة إليها، بحيث يصبح الاستغناء عنها، أو تقليص العلاقة معها، أكثر كلفة.

فإذا كان تعدد الشركاء يقلل كلفة خسارة الدولة لأحد شركائها، فإن "تنويع الوظائف" يرفع كلفة خسارة الشركاء للدولة نفسها، وهو ما ينقلنا إلى المسار الثاني من المعادلة، والمتعلق بموقف القوى المتنافسة من وجود بعضها داخل المحيط الاستراتيجي للدولة، إذ لا يعود إقصاء الخصم بالضرورة الخيار الأكثر فائدة، إذا كانت محاولة تحقيقه تهدد مصالح ووظائف لا يمكن تعويضها بسهولة، ولكن لا يعني ذلك بطبيعة الحال انتهاء المنافسة بين هذه القوى أو تحولها إلى شركاء، وإنما يساهم في تغيير الطريقة التي تعمل بها المنافسة داخل المجال الاستراتيجي للدولة، فبدلا من أن يصبح وجود أحد الأطراف مرهونا بخروج الآخر، يمكن أن تحتفظ كل قوة بمصالحها ووظائفها المختلفة داخل المجال نفسه، دون أن تمتلك القدرة على احتكاره أو فرض "الحصرية" عليه، لتتحول الدولة بذلك من مجرد ساحة تتنافس القوى على السيطرة عليها، إلى مجال قادر على استيعاب المنافسة وتنظيمها.

تلك الحالة تخلق صيغة من "التعايش التنافسي"، لا تشترط التوافق بين القوى المتنافسة أو وجود مصالح مشتركة بينها، وإنما تقوم على قدرتها على الاحتفاظ بمصالح مختلفة داخل المجال الاستراتيجي نفسه المرتبط بـ"الدولة الثالثة" دون أن يصبح إقصاء الخصم شرطا لتحقيقها، وهو ما يجعل قيمة الدولة لا تقاس فقط بما تستطيع الحصول عليه من القوى الكبرى، وإنما أيضا بمقدار التناقض الذي تصبح هذه القوى مستعدة لتحمله من أجل الاحتفاظ بمصالحها وعلاقاتها معها.

وهنا يمكننا القول بأن التحول الأهم في موقع القوى الإقليمية داخل النظام الدولي لم يعد مرتبطا فقط باتساع قدرتها على تنويع علاقاتها، وإنما بقدرتها على رفع قيمة مجالها الاستراتيجي إلى الحد الذي يسمح باستيعاب مصالح قوى متنافسة دون الخضوع لمنطق "الحصرية"، فالدولة التي تنجح في تنويع وظائفها لا تكتسب فقط هامشا أوسع للحركة بين القوى الكبرى، وإنما ترفع كذلك كلفة استبعادها من حساباتها، لتصبح المنافسة داخل محيطها أقل ارتباطا بمحاولات الإقصاء وأكثر قابلية للتعايش، وهو ما قد يمثل أحد الأشكال الجديدة للاستقلال الاستراتيجي في بيئة دولية لم تعد فيها قوة الدولة مرتبطة فقط بحرية اختيار شركائها، وإنما أيضا بقدرتها على جعل هؤلاء الشركاء أكثر استعدادا لقبول بعضهم من استعدادهم لخسارتها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة