هبة مصطفى تكتب: لن تستأجر عقلى

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026 08:08 م
هبة مصطفى تكتب: لن تستأجر عقلى هبة مصطفى

عزيزي القارئ، تخيل أن ضغطة زر واحدة من هاتفك قد تربك شارعًا، وتفزع أسرة، وتشعل غضبًا، وتزرع الشك في نفوس الناس، بل وقد تجعل مواطنًا يشك في دولته ومؤسساته دون أن يمتلك دليلًا واحدًا على ما قرأه أو نقله. قد تظن أنك تنشر خبرًا، أو أنك فقط «بتنقل اللي سمعته»، لكن الحقيقة أن الكلمة في زمننا لم تعد مجرد كلمة، وأن الشائعة لم تعد حديثًا عابرًا على مقهى أو همسًا بين الناس، بل أصبحت في بيئة الاتصال الحديثة أداة قادرة على التأثير في الوعي وصناعة الخوف وإرباك المجتمعات.

فالشائعة سلاح بلا صوت. لا تحتاج إلى دبابة ولا طائرة ولا صاروخ؛ يكفيها هاتف، وصورة خارج سياقها، وفيديو مبتور، وحساب يكرر الرسالة، وشخص يشارك قبل أن يسأل: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وهل هي صحيحة؟ ومن المستفيد من انتشارها؟

وهنا تبدأ الحكاية الأخطر. فقد أكد الكثير من المختصين في مجالات الدعاية والحرب النفسية وحرب المعلومات أن الصراعات الحديثة لا تجري في الميدان وحده، وإنما تمتد إلى مجال المعلومات وإلى إدراك الإنسان نفسه. وأصبحت معركة كسب التعاطف والدعم والتأثير في الرأي العام جزءًا من أدوات الصراع، إلى جانب العمليات العسكرية والسياسية.

والأقوى والأكثر خطورة هو الانتقال إلى مفاهيم أوسع مثل الدبلوماسية العامة، والحرب النفسية، والحملات المعرفية، مع توظيف وسائل التواصل الاجتماعي واستهداف جماهير مختلفة بلغات ورسائل مختلفة. وأصبحت التكنولوجيا الحديثة تمنح من يمتلك أدوات التأثير قدرة هائلة على الوصول إلى العقول في الداخل والخارج.

عزيزي القارئ، طالما طرقنا هذا الباب، لا بد أن تفرق بين نقل المعلومة الحقيقية ووضعها في القالب المهني المنوط بها، وبين محاولة منظمة للتأثير في الطريقة التي يرى بها الجمهور حدثًا أو قضية.

وقد تستخدم الدول في صراعاتها أدوات متعددة لتحقيق ذلك: البيانات الرسمية، والمتحدثون، والصور، والفيديوهات، والمنصات الرقمية، والدبلوماسية العامة، والشخصيات المؤثرة، والرسائل الموجهة إلى جماهير مختلفة.

نعم، هناك إعلام مهني وظيفته الأساسية نقل الحقيقة بعد التحقق منها ووضعها في سياقها، وهناك أيضًا ما يمكن أن نسميه «إعلام الرواية»، حين لا يعود الهدف مجرد نقل الحدث، وإنما التأثير في الطريقة التي يفهم بها الجمهور هذا الحدث.

وهنا تكمن الخطورة. فهذا ليس وصفًا لدولة واحدة فقط، وإنما قاعدة أوسع في عالم الصراعات الحديثة، حيث طورت دول عديدة قدراتها في الاتصال الرقمي، وأصبحت مؤسسات الدولة والجيش والدبلوماسية العامة تتحرك في الفضاء المعلوماتي بدرجات مختلفة من التنسيق والاستهداف.

وهنا تظهر الحقيقة التي يجب أن ينتبه إليها المواطن المستهدف وطنه، أيا كانت جنسيته: فالمعركة ليست دائمًا في أن يقنعك طرف ما بروايته، فقد يكون الهدف أحيانًا أن يملأ عقلك بعشرات القصص المتضاربة، حتى تفقد القدرة على معرفة أين الحقيقة. وهذه أخطر مراحل الشائعة. لأن الشائعة لا تنتصر فقط عندما يصدقها الناس، وإنما قد تنتصر أيضًا عندما تجعل الناس لا يثقون في أي شيء.

صورة قديمة تصبح خبرًا جديدًا، وفيديو من دولة أخرى يقدم باعتباره حدثًا محليًا، وتصريح مبتور يفقد معناه، وحساب مجهول يقدم نفسه كأنه مصدر موثوق، ثم تأتي إعادة النشر، وبعدها تبدأ وسائل أخرى في نقل ما نشرته الأولى، فيعود الخبر إلى الناس وكأنه صادر عن مصادر متعددة، بينما هو في الأصل معلومة واحدة لم تخضع للتحقق. وهكذا يمكن أن تصنع كثرة التكرار وهمًا بوجود الحقيقة.

ومن هنا يأتي السؤال، عزيزي المواطن: هل كل ما نراه على الشاشة حقيقة؟

الإجابة: بالتأكيد لا.

والسؤال الأهم: من الذي يملك القدرة على صناعة الصورة؟ ومن يملك القدرة على نشرها؟ ومن يستطيع الوصول إلى ملايين الناس؟ ومن يملك أدوات التأثير في الرأي العام داخل الدولة وخارجها؟

عزيزي القارئ، نعم، لقد تغير شكل الحرب.

فلم تعد المعركة دائمًا بين جيشين على خط مواجهة واضح؛ أصبحت هناك أيضًا معركة على الصورة، وعلى المعلومة، وعلى المشاعر، وعلى تفسير الحدث. ولذلك أصبح الوعي جزءًا من الأمن القومي، وأصبح المواطن نفسه طرفًا في معركة المعلومات، شاء أم لم يشأ. وقد أكدت القيادة السياسية المصرية في أكثر من مناسبة أهمية الوعي في مواجهة التحديات، وربطت مواجهة الحروب غير التقليدية بحماية الوطن وبمسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. فالوعي ليس ترفًا فكريًا، وإنما أحد عناصر حماية المجتمع من محاولات التأثير والتضليل.

وهنا، عزيزي المواطن، يأتي دور الدولة. فلا تتعجب، فالدولة التي تواجه الشائعات لا تستطيع أن تترك الفراغ المعلوماتي خاليًا؛ لأن الفراغ سرعان ما تملؤه قصة أخرى. ولذلك تصبح سرعة إصدار المعلومات الدقيقة، ووضوح البيانات، ووجود إعلام مهني، وقدرة المؤسسات على التواصل مع المواطنين، جزءًا من حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية.

لكن الحمل لن يقتصر على الدولة، لأن الدولة لا تستطيع أن تقوم بكل شيء. هناك دور لا يقل أهمية عن دور الدولة، وهو دور المواطن. فالمواطن نفسه قد يتحول إلى وسيلة إعلام في ثوانٍ. بضغطة زر يمكن أن يصل الخبر إلى مئات الأشخاص، وبإعادة نشر واحدة قد يتحول الادعاء إلى حديث عام، وبمشاركة آلاف الحسابات قد يصبح تصحيح المعلومة أصعب بكثير من نشرها أول مرة. ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على الصحفي وحده، ولا على الدولة وحدها، وإنما تبدأ أيضًا من الإنسان الذي يمسك الهاتف.

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ».

وفي العصر الرقمي، ومع هذا الانفجار الهائل في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، أصبحت هذه القاعدة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فحرية الرأي لا تعني أن كل معلومة صحيحة، وحرية التعبير لا تعني أن الإنسان يملك حصانة أخلاقية لمجرد أنه ضغط على زر «مشاركة». النقد حق، والسؤال حق، والاختلاف حق، لكن اختلاق المعلومات وترويجها على أنها حقائق شيء آخر.

وهنا يأتي دور الإعلام، ذلك العمود الثالث والأقوى، لأنه يتعامل مع اختلاف المذاهب والضمائر والأساليب، وقد يواجه إغراء إشعال الجدل من أجل الربح أو المشاهدة أو الترند. فالإعلام إما أن يكون خط الدفاع الأول عن الحقيقة، أو أن يتحول إلى مكبر للصوت يضاعف انتشار الشائعة.

ويُعتبر الإعلام المهني أو العام هو الفلتر الذي يسأل قبل أن ينشر، ويتحقق قبل أن يعلق، ويفصل بين الخبر والرأي، ويضع الصورة في سياقها، وينسب الادعاء إلى صاحبه، ويعترف بعدم اليقين عندما لا تكون المعلومة مكتملة.

أما اللهاث وراء الترند، وتحويل كل منشور إلى خبر، وكل مقطع مجهول إلى دليل، وكل ادعاء إلى عنوان مثير، فهو لا يحمي المجتمع من الشائعة، بل يمنحها حياة جديدة.

ولا يمكن أن نغفل الرقيب الأهم بعد الضمير: القانون.

فله دوره عندما تتحول الممارسة من مجرد تعبير أو نقد إلى نشر أخبار كاذبة أو أفعال يجرمها القانون وتترتب عليها أضرار بالمجتمع أو الأفراد أو المؤسسات. وهنا يجب التفريق دائمًا بين حق المواطن في التعبير وبين المسؤولية القانونية عن الأفعال التي ينص القانون على تجريمها.

لكن العقاب وحده لا يكفي. للأسف الشديد. لأن المجتمع الذي لا يمتلك الوعي سيظل معرضًا لإنتاج الشائعة وإعادة تدويرها. ولهذا فالمواجهة الحقيقية تبدأ قبل أن تصل الشائعة إلى مرحلة الانفجار.

إنها دورة حياة تبدأ من المدرسة، حين يتعلم الطفل معنى السؤال والتحقق، وتمتد إلى الأسرة، حين يتعلم الأبناء ألا يصدقوا كل ما يرونه، ثم الجامعة، حيث يجب أن يتعلم الشباب التمييز بين المصدر الموثوق والحساب المجهول، ثم الإعلام، عندما يصبح التحقق أهم من السبق، ومؤسسات الدولة، عندما تكون المعلومة الرسمية واضحة وسريعة بقدر الإمكان، وتنتهي عند المواطن نفسه عندما يسأل قبل أن يضغط على زر المشاركة: هل أنا متأكد؟ هل أعرف المصدر؟ هل أستطيع إثبات ما أنشره؟ وهل يمكن أن يسبب هذا المنشور خوفًا أو ضررًا أو فتنة؟

لأن هناك فارقًا هائلًا بين أن تكون شاهدًا على حدث، وأن تكون أداة في يد من يصنع روايته.

عزيزي القارئ، أثقلت عليك، لكن الوعي الحقيقي ليس أن نصدق جهة ونكذب أخرى، وإنما أن نتحقق من الجميع، وأن نبحث عن المصدر الأصلي، وأن نقارن المعلومات، وأن نفرق بين الحقيقة المثبتة والرأي والتفسير والادعاء.

وهذا هو المواطن الذي يصعب استدراجه.

فالمواطن الواعي لا تسوقه الصورة وحدها، ولا العنوان وحده، ولا الصراخ، ولا كثرة المشاركات.

ولا عجب أن تستخدم بعض الدول أدوات ضخمة للتأثير في الرأي العام، ولكن الرد الحقيقي ليس الخوف من تلك الأدوات، وإنما بناء مجتمع يعرف كيف يقرأها ويفككها ويميز بين الحقيقة والدعاية.

فالدولة القوية تحتاج إلى إعلام قوي، ومؤسسات قوية بالمعلومة، ومواطن قوي بالوعي، قادر على أن يحمي نفسه ومن حوله من الاستدراج.

وكعهدكم بي، أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح المواطن نفسه منصة مجانية لأي جهة تريد التأثير في وطنه.

وأنا هنا لا أتحدث عن دولة بعينها؛ أتحدث عن عالم أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، وأصبحت فيه الدول والمؤسسات والأفراد جميعًا قادرين على صناعة الرسائل ونشرها بسرعة لم تكن موجودة من قبل.

لذلك، لا تسأل فقط: «من قال هذا؟»

اسأل أيضًا: لماذا قيل الآن؟ من المستفيد من انتشاره؟ هل توجد وثيقة أصلية؟ هل نقلته مصادر مستقلة؟ وهل الصورة أو الفيديو يعودان بالفعل إلى الحدث الذي يتحدث عنه المنشور؟ فالسؤال أحيانًا أقوى من الإجابة. والتثبت أحيانًا أقوى من الصراخ. والوعي أقوى من ألف شائعة. فكر قبل أن تشارك. تحقق قبل أن تصدق. واسأل قبل أن تحكم.

لأن الكلمة قد لا تعود بعد أن تخرج، والصورة قد تبقى بعد أن تنتهي القصة، والشائعة إذا انتشرت قد تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تلحق بها.

وكعهدكم بي، الوطن لا يحميه السلاح وحده؛ يحميه أيضًا وعي أبنائه. فالدين حذر، والعقل نبه، والدولة مطالبة بالمعلومة، والإعلام مطالب بالمسؤولية، والمواطن مطالب بألا يمنح إصبعه لمن يريد أن يستأجر عقله.

فلا تجعل هاتفك غرفة عمليات لشائعة، ولا تجعل صفحتك منصة لمن يريد صناعة الخوف، ولا تكن أنت الحلقة التي تمنح الكذبة جناحين.

قد يحاولون استئجار عينيك بصورة، وأذنيك بخبر، وعقلك برواية، ومشاعرك بالخوف…

لكن القرار في النهاية لك. لا ولن تستأجر عقلي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة