التحولات المتسارعة في النظام الدولي لم تعد تعيد تشكيل موازين القوة بين الدول فحسب، وإنما باتت تعيد بصورة مستمرة تقييم ما تمتلكه من أدوار ومواقع وقدرات، وهو ما تناولته سابقا في إطار مفهوم "إعادة تسعير المكانة الدولية"، حيث لم تعد قيمة الدولة محكومة فقط بحجم ما تمتلكه من أدوات القوة، بقدر ما أصبحت أكثر ارتباطا بالوظائف التي تستطيع القيام بها داخل بيئة دولية متغيرة، ومن هنا، تكتسب الإصلاحات الهيكلية أهمية تتجاوز كونها أداة للاندماج في السوق العالمي، لتصبح، في واقع الأمر، إحدى وسائل الحفاظ على مكانة الدولة ودورها، وحماية قرارها السيادي، في بيئة دولية متداخلة تفرض معطيات متغيرة، قد تمارس ضغوطا على توجهاتها ورؤيتها وبوصلتها السياسية.
إلا أن عملية إعادة التسعير لا تبدو مقتصرة على مكانة الدول وحدها، وإنما يمكن أن تمتد كذلك إلى العلاقات فيما بينها، فالعلاقة التي تحتفظ بعناصرها الرئيسية على مدى سنوات طويلة قد تتغير قيمتها الاستراتيجية، حتى من دون أن تتغير هذه العناصر بالقدر نفسه، ليس نتيجة إضافة مصالح أو مجالات جديدة للتعاون فحسب، وإنما لأن التحولات التي طرأت على البيئة الدولية أعادت تحديد قيمة ما كان قائما بالفعل، إذ لا يعاد تسعير العلاقة باعتبارها كتلة واحدة، وإنما يعاد تسعير مكوناتها ووظائفها، ومن محصلة تغير قيمة هذه المكونات تتغير القيمة الاستراتيجية للعلاقة نفسها.
وهنا يبدو الفارق بين "إضافة القيمة" و"إعادة التسعير"، فدخول استثمار جديد أو تدشين مجال جديد للتعاون يضيف قيمة إلى العلاقة بين دولتين، بينما تبدأ إعادة تسعير عنصر قائم عندما تتغير البيئة التي يعمل داخلها، وتتغير معها الوظائف المطلوبة منه ومدى جاهزية الدولة للاستجابة لهذه التحولات، بما يمنحه أهمية أو قيمة تختلف عما كان يتمتع به في مرحلة سابقة، وبذلك، تصبح العلاقات الدولية نفسها خاضعة لحركة مستمرة من الصعود والتراجع في قيمة مكوناتها، حتى وإن احتفظت بهيكلها الأساسي.
فلو نظرنا إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، نجد أنها تحمل دلالة تتجاوز ما يمكن أن تضيفه من مجالات جديدة إلى الشراكة بين البلدين، خاصة أنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من زيارته السابقة للقاهرة، وهي فترة لم تتطور خلالها العلاقات المصرية الصينية فحسب، وإنما تغيرت خلالها، بصورة عميقة، البيئة الدولية التي تتحرك هذه العلاقات في إطارها.
ولعل الموقع الجغرافي يمثل أحد أبرز النماذج على تلك الحالة، فموقع مصر بين ثلاث قارات، ووجود قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، لم يكونا غائبين بطبيعة الحال عن حسابات الصين قبل عشر سنوات، بل أنها في الواقع تمثل أحد المرتكزات المهمة للعلاقة بين البلدين، إلا أن قيمة الموقع لا تتحدد بالجغرافيا وحدها، وإنما بما تستطيع الدولة أن تضيفه إليها من قدرات، وبحجم الطلب الذي تخلقه البيئة الدولية على الوظائف التي يمكن لهذا الموقع القيام بها.
فخلال العقد الماضي، شهدت مصر توسعا كبيرا في البنية الأساسية، وتطوير شبكة الطرق والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، إلى جانب التوسع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي تحولات رفعت من قدرة الدولة على استثمار موقعها، بالتزامن مع تغيرات دولية أعادت بدورها تعريف قيمة الجغرافيا، في ظل الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد، وتصاعد الاهتمام بأمن الممرات التجارية، واتجاه الشركات والدول بصورة متزايدة نحو تنويع مواقع الإنتاج والوصول إلى الأسواق.
ومن هنا، فإن إعادة تسعير الموقع المصري لا ترتبط بتغير موقعه على الخريطة، وإنما بتغير قدرته على أداء وظائف جديدة من ناحية، وتغير البيئة التي تحدد قيمة هذه الوظائف من ناحية أخرى، فالموقع الذي تركزت أهميته، في جانب منه، على العبور والربط بين الأسواق، بات يمتلك فرصة أكبر لأداء وظائف مرتبطة بالإنتاج والتصنيع وإعادة التصدير، وهو ما يمنحه قيمة مختلفة داخل العلاقة مع الصين، خاصة مع الاتجاه نحو توطين المزيد من الصناعات الصينية في مصر والاستفادة من موقعها وبنيتها الأساسية في الوصول إلى أسواق متعددة.
ولا يقتصر هذا التحول على إعادة تسعير الموقع الجغرافي، وإنما يمتد كذلك إلى الاستثمار الصيني نفسه، الذي مثل على مدى سنوات أحد المكونات الرئيسية للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، فزيادة حجم الاستثمارات أو دخول شركات ومشروعات جديدة تمثل، في حد ذاتها، إضافة إلى قيمة العلاقة، لكن إعادة التسعير تبدأ عندما تتغير القيمة التي يمكن للدولة أن تستخلصها من الاستثمار القائم أو الجديد، نتيجة تغير احتياجاتها وتطور قدراتها والبيئة الدولية المحيطة بها.
ففي بيئة دولية باتت تشهد تنافسا متزايدا على التكنولوجيا والصناعة، واضطرابات متلاحقة في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، لم تعد القيمة الاستراتيجية للاستثمار الأجنبي مرتبطة فقط بما يوفره من تدفقات رأسمالية أو فرص للعمل، وإنما كذلك بما يستطيع أن يضيفه إلى القدرة الإنتاجية للدولة، من خلال نقل التكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وتوسيع قاعدة الموردين، وتوطين مراحل أكبر من عمليات الإنتاج، وبناء قدرة أكثر استدامة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الرؤية المصرية القائمة على توطين المزيد من الصناعات الصينية باعتبارها تعبيرا عن تغير نوع القيمة المطلوبة من الاستثمار داخل العلاقة بين البلدين، خاصة مع ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من تطوير للبنية الأساسية والمناطق الصناعية والاقتصادية، بما يرفع من قدرتها على استيعاب مستويات أكثر تقدما من النشاط الإنتاجي، ومن ثم، فإن السؤال لم يعد مرتبطا فقط بحجم ما تستطيع الصين استثماره في مصر، وإنما بما تستطيع هذه الاستثمارات أن تضيفه إلى القدرة الصناعية والتكنولوجية المصرية.
وبذلك، لا تفقد الوظائف التقليدية للاستثمار الصيني، من تدفقات رأسمالية ومشروعات وفرص للعمل، أهميتها، وإنما تضاف إليها قيمة استراتيجية أخرى ترتبط بقدرته على المساهمة في بناء القدرة الإنتاجية ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، وهو تحول لا ينتج عن تغير الأولويات المصرية وحدها، وإنما عن التقاء هذه الأولويات مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والقدرات التي بنتها الدولة المصرية للاستجابة لها.
ولا تتوقف عملية إعادة التسعير عند المكونات الاقتصادية للعلاقة، وإنما تمتد كذلك إلى قيمتها السياسية، خاصة في ظل تصاعد حدة المنافسة بين القوى الكبرى خلال العقد الماضي، فالعلاقة المصرية الصينية تطورت على مدى سنوات طويلة دون أن تتحول إلى تحالف سياسي أو عسكري، وفي الوقت نفسه احتفظت القاهرة بعلاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة والغرب، إلى جانب دوائرها العربية والإقليمية والدولية الأخرى.
وفي بيئة دولية تتزايد فيها ضغوط الاستقطاب، يمكن أن يعاد تسعير هذه الاستقلالية نفسها باعتبارها أحد عناصر القيمة داخل العلاقة، إذ لا تصبح أهمية الشريك مرتبطة فقط بمدى اقترابه من أحد الأطراف أو اندماجه داخل مجاله السياسي، وإنما كذلك بقدرته على الاحتفاظ بعلاقات مؤثرة مع دوائر مختلفة، دون أن يفقد استقلالية قراره أو يتحول إلى جزء كامل من المجال الاستراتيجي لأي منها.
ومن هذه الزاوية، فإن احتفاظ مصر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، بالتوازي مع تعميق شراكتها مع الصين، لا يمثل بالضرورة قيدا على قيمة العلاقة المصرية الصينية، بل قد يصبح، في ظل تصاعد المنافسة الدولية، أحد العوامل التي تعيد تسعيرها، فبالنسبة إلى بكين، تكتسب العلاقة مع دولة عربية وأفريقية مؤثرة، تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات واسعة مع دوائر دولية مختلفة، قيمة تتجاوز العلاقة الثنائية ذاتها، بينما تمنح العلاقة مع الصين القاهرة مساحة أوسع لتنويع خياراتها والحفاظ على قدرتها على الحركة دون الارتباط بمسار دولي واحد.
وهكذا، فإن ما كان يمكن النظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره مجرد تنويع للعلاقات الخارجية، تزداد قيمته في بيئة دولية أكثر استقطابا ليصبح جزءا من القدرة على حماية استقلال القرار وتوسيع هامش الحركة، فتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى لا يعيد تسعير التحالفات فقط، وإنما يعيد كذلك تسعير الاستقلالية السياسية للدول، وقدرتها على بناء علاقات عميقة مع قوى متنافسة دون أن تتحول علاقتها بإحداها إلى قطيعة مع الأخرى.
وفي الحالات الثلاث، لا تبدو عملية "إعادة التسعير" نتيجة تلقائية للتحولات التي تشهدها البيئة الدولية، كما أنها لا تنتج عن تطوير قدرات الدولة بمعزل عما يجري حولها، وإنما تتشكل عند نقطة التقاء الاثنين، فالبيئة الدولية تخلق طلبا متغيرا على المواقع والقدرات والوظائف، بينما تحدد جاهزية الدولة ومدى تطويرها لأدواتها قدرتها على الاستجابة لهذا الطلب، والاستفادة من القيمة الجديدة التي يمكن أن تكتسبها عناصر كانت تمتلكها بالفعل.
وهنا يمكننا القول بأن مرور نحو عشر سنوات بين زيارتي الرئيس شي جين بينج إلى مصر لا يوفر فقط فرصة لقياس ما أضيف إلى العلاقات المصرية الصينية خلال هذه الفترة، وإنما يسمح كذلك بإعادة النظر في قيمة ما كان موجودا داخلها منذ البداية، فعناصر مثل الموقع الجغرافي والاستثمار والاستقلالية السياسية لم تنشأ مع الزيارة الحالية، لكن البيئة التي تعمل داخلها تغيرت، كما تغيرت القدرات المصرية على توظيف بعضها والاستفادة من البعض الآخر، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة ليس فقط بإضافة مجالات جديدة إلى الشراكة، وإنما بقدرة القاهرة وبكين على التقاط “السعر الاستراتيجي” الجديد لما تمتلكانه بالفعل داخل العلاقة.
إقرأ أيضا
مصر والصين.. من الاستمرارية إلى الاستدامة الاستراتيجية
زيارة الرئيس الصيني.. وفرص بناء "العمق الشبكي"
مصر والصين.. من الشراكة إلى "الارتكاز الاستراتيجى" المتبادل