بين الذخيرة والدولار تبقى الحرب قائمة، حيث تتبدل أدوات العراك وتتغير ألوان الصراع، بينما تبقى المعركة دائرة وفق ديمومة لا متناهية ذات محصلة صفرية، تضع إقليم الشرق الأوسط البائس في أجواء من النكسة الأمنية والاقتصادية تتطلب معجزة دبلوماسية لإحياء السلام والاستقرار مجدداً.
وفق معطيات الميدان، تظل مؤشرات الحرب الأمريكية الإيرانية تتجه نحو التصعيد، حتى في ظل تباين اتجاهات هذا المؤشر بين الصدام العسكري والحرب الاقتصادية، لتبقى الحقيقة الوحيدة الكاشفة لضبابية هذا المشهد الإقليمي المعقد تؤشر بحرب استنزاف طويلة قد تمتد لأكثر من عامين، وهي الفترة المتبقية من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورغم أن هذا هو رهان إيران الأخير، إلا أن ترامب ليس لديه خيار سوى الاستمرار في تلك المعركة واستغلالها لصالحه وفق سياسة عض الأصابع، ولهذا يحاول الرئيس الأمريكي مؤخرًا تشتيت جهود إيران ما بين الحرب الاقتصادية والاستنزاف العسكري، وذلك عبر خنق الاقتصاد الإيراني بالحصار البحري، وعزل النظام المصرفي عن العالم، وبالتوازي استمرار الضربات العسكرية للبنية التحتية والعسكرية الإيرانية، مما يضاعف الألم على طهران التي تتمسك بمضيق هرمز كورقة رابحة في الحرب الاقتصادية، وتستهدف نقاطًا إقليمية تدعي أنها مصالح أمريكية في المنطقة، بينما لا يشكل هذا ضغطًا على واشنطن بقدر ما يصيب الأمن الإقليمي بمخاطر بالغة، كما أن إغلاق مضيق هرمز هو الآخر ليس سلاحًا موجعًا للولايات المتحدة بشكل مباشر بقدر ما هو ضغط حقيقي على الاقتصاد الإقليمي.
ولأن حرب الاستنزاف يفوز بها من يستطيع إدارة الوقت والضغط بشكل مباشر ومكثف على أصابع الخصم، يتبين أن إيران وإن كانت تدير الوقت بشكل جيد خلال هذه المعركة إلا أنها تفتقد للضغط المباشر والحقيقي على الجانب الأمريكي، خاصة أنها تذهب لاستهداف دول عربية لا علاقة لها بالحرب، بهدف الضغط غير المباشر على واشنطن، وفي المقابل يناور الرئيس الأمريكي في إدارة الوقت، فحينما يستشعر أن الحرب قد انجذبت نحو إدارة زمنية عبر طهران، يصنع حدثًا مفاجئًا يعيد من خلاله سيطرة الإدارة الأمريكية علي خط سير الحرب، وبالتوازي يكثف الضغط العسكري أو الاقتصادي بشكل مباشر ومكثف على إيران، ومن ثمّ نحن بصدد معادلة تبدو حتى الآن صفرية لا يمكن من خلالها استشراف مستقبل هذا الصراع، خاصة وأن تحجيم واشنطن لدور إسرائيل في هذه الحرب يؤشر لإدارة أمريكية مطلقة للمشهد وفق مصالح واشنطن التي تتطلب تحقيق خروج مشرف من مستنقع الحرب في الشرق الأوسط عبر انتصار سياسي للحزب الجمهوري، أما طهران فتبحث عن مستقبل نظامها السياسي، خاصة وأن تلك الأحداث باتت مؤثرة، بل وربما راسمة لشكل النظام السياسي الإيراني ما بعد الحرب.
بتوقيت واشنطن أم طهران ستنتهي الحرب؟ هذا هو السؤال الأصعب، ولكن ما يسهل الإجابة عليه هو أن تلك الحرب كلما طالت تأخر توقيت الشرق الأوسط إلى الوراء، وزادت الخسائر الأمنية والاقتصادية بالمنطقة مما قد يتطلب كثيراً من الوقت للتعافي، فتلك الحرب الأمريكية الإيرانية في واقع الأمر تستنزف الإقليم بقدر ما تتوجع الأطراف المتحاربة، بل ربما ألم الشرق الأوسط واستنزافه أكثر بكثير.