محمد الطماوى

مصر والصين.. قراءة تحليلة فى هندسة التوازنات الدولية

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 01:00 ص


لا يمكن قراءة الزيارة التاريخية للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر باعتبارها مجرد زيارة ثنائية، أو مناسبة للاحتفال بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين فقط، وإنما ينبغي النظر إليها في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية، وتزايد أهمية الدول التي تمتلك موقعًا استراتيجيًا وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف. ومن هذه الزاوية، فإن وصول الرئيس الصيني إلى القاهرة يحمل رسالة بالغة الأهمية بشأن مكانة مصر في الحسابات الدولية، ويؤكد أن القاهرة طرف يصعب تجاوزه عند مناقشة قضايا الأمن والاستقرار والتجارة والتنمية ومستقبل المنطقة.

ولقد اكتسبت جلسة المباحثات أهمية خاصة؛ لأنها عكست اتساع نطاق العلاقة من التعاون الثنائي إلى نقاش أكثر شمولًا للملفات الإقليمية والدولية، فالمباحثات لم تتوقف عند الاستثمار والتجارة والمشروعات المشتركة، وإنما امتدت إلى الأزمات الإقليمية، والقضية الفلسطينية، وأمن الخليج والبحر الأحمر، وحرية الملاحة، والأمن المائي، ومستقبل النظام الدولي. وهذا الاتساع في الأجندة يعكس نضج العلاقة، ويؤكد أن القاهرة وبكين باتتا تنظران إلى شراكتهما باعتبارها إحدى أدوات التعامل مع بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.

والأهم أن هذا التقارب لا يأتي في إطار سياسة المحاور، وهي نقطة جوهرية في فهم فلسفة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إدارة علاقات مصر الخارجية، فالقاهرة لا تتعامل مع الصين باعتبارها بديلًا عن الولايات المتحدة، ولا مع الولايات المتحدة باعتبارها خصمًا للصين، كما أنها لا تنظر إلى علاقاتها مع روسيا أو أوروبا أو الدول العربية والأفريقية باعتبارها اختيارات متعارضة، وإنما تقوم الرؤية المصرية على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية، بحيث تستطيع مصر أن تتعاون مع مختلف القوى الدولية وفق مصالحها الوطنية، دون أن تتحول إلى جزء من استقطاب دولي أو محور مغلق.

وهذه، في تقديري، واحدة من أهم سمات السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة: أن مصر لا تختار طرفًا ضد طرف، وإنما تختار مصر أولًا، فالندية في العلاقات الدولية لا تعني الصدام مع القوى الكبرى، وإنما تعني امتلاك رؤية وطنية مستقلة، والقدرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف مراكز القوة، والتعامل مع كل دولة وفق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ولذلك فإن انفتاح القاهرة على بكين لا يمثل انحيازًا ضد الغرب، وإنما يعبر عن إدراك مصري للتحولات التي يشهدها العالم، وضرورة امتلاك شبكة واسعة من العلاقات والشراكات.

ومن هنا يمكن فهم دعوة الرئيس السيسي إلى عالم متعدد الأقطاب، فمصر لا تدعو إلى استبدال هيمنة بأخرى، وإنما إلى نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، تتعدد فيه مراكز القوة، ويحصل فيه الجنوب العالمي والدول النامية على مساحة أكبر في صياغة القرارات الدولية، وتُحترم فيه سيادة الدول والقانون الدولي، وتكون فيه الحلول السياسية والدبلوماسية هي الأداة الأساسية لتسوية النزاعات. وهذه الرؤية تتقاطع بصورة واضحة مع الموقف الصيني الداعي إلى تعزيز التعددية وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية وزيادة تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية.

ومن هنا أيضًا تأتي أهمية تأكيد البلدين مواصلة التنسيق في المحافل الدولية والدفاع عن مصالح الدول النامية. فالتعاون المصري الصيني يمكن أن يتجاوز المصالح الثنائية إلى مساحة أوسع تتعلق بقضايا التنمية والتمويل الدولي والأمن الغذائي والطاقة والتغير المناخي والتجارة الدولية، بما يمنح القاهرة وبكين قدرة أكبر على طرح رؤى الدول النامية في النقاشات المتعلقة بمستقبل النظام العالمي. ولا يعني ذلك قيام تحالف سياسي مغلق، وإنما يعكس تنسيقًا بين دولتين تلتقي مصالحهما في الدفع نحو نظام دولي أكثر توازنًا.

وتأتي الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شهدها الرئيسان لتمنح هذه الرؤية مضمونًا عمليًا، فقوة العلاقات السياسية لا تكتمل إلا بتحويلها إلى مصالح اقتصادية ومشروعات واستثمارات وقدرات إنتاجية ونقل للتكنولوجيا، والاتجاه نحو توسيع التعاون في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والسيارات الكهربائية وغيرها، يعني أن المرحلة المقبلة يجب ألا تكتفي بجذب الاستثمارات، وإنما تستهدف تعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري، وتوطين التكنولوجيا، وربط الاستثمارات الصينية بالأسواق الأفريقية والعربية.

ومن هنا نفهم أهمية تشجيع الرئيس الصيني للشركات الصينية على زيادة استثماراتها في مصر، فالموقع الجغرافي المصري، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية، والارتباط بالأسواق الأفريقية والعربية، تجعل مصر منصة إنتاج وتصدير ذات أهمية متزايدة للشركات الصينية. وبالتالي فإن الرسالة الاقتصادية تحمل في الوقت نفسه مضمونًا سياسيًا؛ إذ تعكس ثقة صينية في مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا قادرًا على استضافة مشروعات طويلة الأجل وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية.

لكن القيمة الحقيقية للزيارة لا تختزل في الاقتصاد، فالشرق الأوسط يمر بمرحلة شديدة الحساسية، ولذلك كان طبيعيًا أن تحتل قضايا الأمن الإقليمي وخفض التصعيد مساحة مهمة من المباحثات. ويتقاطع الموقف المصري مع الرؤية الصينية في إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية، ورفض توسيع دائرة الصراع، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. وهذا التوافق يمكن أن يمنح الجهود الرامية إلى خفض التوتر دعمًا سياسيًا إضافيًا، خاصة أن مصر تمتلك أدوات التواصل المباشر مع أطراف الأزمات، بينما تمتلك الصين ثقلًا دوليًا واقتصاديًا واسعًا.

وفي هذا السياق، فإن تأكيد الرئيس السيسي على أمن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وسلامة أراضيها، إلى جانب ضمان حرية الملاحة، يعكس رؤية مصرية تعتبر أمن المنطقة منظومة مترابطة، فأمن الخليج مرتبط بأمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر مرتبط بقناة السويس والتجارة الدولية، وأي اضطراب في هذه المناطق لا يظل أزمة إقليمية، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة.

وتتقدم القضية الفلسطينية على رأس الملفات التي تكشف طبيعة التقارب السياسي بين القاهرة وبكين، فمصر والصين تتفقان على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وفق قرارات الشرعية الدولية، ودعم حل الدولتين، ورفض التهجير القسري، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية. وتأتي أهمية هذا التوافق لا فقط من تشابه المواقف، وإنما من اجتماع ميزتين مختلفتين: أن مصر تمتلك الدور الجغرافي والسياسي والتاريخي المباشر في القضية الفلسطينية، والصين تمتلك وزنًا دوليًا يسمح لها بالتأثير في النقاشات داخل المؤسسات الدولية.

ومن ثم فإن التنسيق المصري الصيني في الملف الفلسطيني يمكن أن يدعم التحرك الدبلوماسي الدولي باتجاه حل سياسي، دون أن يعني ذلك أن بكين تحل محل القاهرة أو أن القاهرة تتحدث باسم الصين. وإنما تكمن القيمة في تكامل الأدوار، وتوسيع قاعدة الدول المؤيدة للحل السياسي، والتأكيد على أن استقرار الشرق الأوسط سيظل ناقصًا ما لم تتم معالجة جذور القضية الفلسطينية.

الأمر نفسه ينطبق على قضية الأمن المائي المصري. فإدراك الصين للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر، والتأكيد على حقها في حماية أمنها المائي والغذائي، إلى جانب الدعوة إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب في إحداث ضرر، يضع قضية النيل في إطارها الأوسع باعتبارها قضية تتصل بالقانون الدولي والتنمية والاستقرار. ومصر هنا لا تبحث عن مواجهة، وإنما تؤكد أن التعاون والحوار واحترام القواعد القانونية الدولية هي الطريق الأكثر استدامة لإدارة الأنهار العابرة للحدود.

وبالنظر إلى مجمل هذه الملفات، أستطيع القول إن العلاقة المصرية الصينية أصبحت أكثر تركيبًا من مجرد علاقة تجارية أو استثمارية. نحن أمام شبكة متداخلة من المصالح: الاقتصاد يدعم السياسة، والاستثمار يرتبط بالموقع الجغرافي، والتجارة ترتبط بأمن الملاحة، والأمن الإقليمي يرتبط بالاستقرار السياسي، والاستقرار يرتبط بالتنمية. وهذه هي النقطة التي تجعل الشراكة أكثر قدرة على الاستمرار، لأنها لم تعد قائمة على مجال واحد يمكن أن يتراجع، وإنما على مجموعة واسعة من المصالح المتبادلة.

ومن الطبيعي، في ظل هذا التشابك، أن تحظى الزيارة باهتمام دولي واسع، فصعود الصين يمثل أحد أهم التحولات في النظام الدولي، ومصر تقع في قلب منطقة استراتيجية تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والأمن والسياسة، لذلك فإن وصول الرئيس الصيني إلى القاهرة يرسل رسالتين في آن واحد: رسالة عن الحضور الصيني المتزايد في الشرق الأوسط، ورسالة عن الوزن الذي تتمتع به مصر في الحسابات الصينية والدولية.

وفي تقديري، فإن هذا هو المعنى الأعمق لفكرة التوازن الاستراتيجي في السياسة المصرية: أن تنفتح مصر على الجميع دون أن تكون تابعًا لأحد، وأن تتعاون مع القوى الكبرى دون أن تتحول إلى ساحة لصراعاتها، وأن تستخدم علاقاتها الدولية من أجل التنمية والاستقرار وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة