حازم الشريف يكتب: حين يغضب أهل المنافع

الإثنين، 28 سبتمبر 2026 03:17 م
حازم الشريف يكتب: حين يغضب أهل المنافع حازم الشريف

حازم الشريف

ليس غريبًا أن يغضب أهل المنافع حين تبدأ عجلة الإصلاح في الدوران فالإصلاح الحقيقي لا يغيّر مجرد كلمات أو شعارات لكنه يغيّر واقعًا اعتاد عليه البعض ويضع حدًا لممارسات كانت تمر في صمت ويعيد لكل شيء مكانه الطبيعي.

وعندما تبدأ الدولة في مواجهة التجاوزات وتفعيل الرقابة وتطبيق القانون وإغلاق الأبواب التي كانت تسمح للبعض بتحقيق مصالح خاصة على حساب الصالح العام فمن الطبيعي أن يظهر من لا يعجبه هذا التغيير لأن أي إصلاح حقيقي لا بد أن يمس مصالح من اعتادوا الاستفادة من الأوضاع القديمة.

وهنا يبدأ المشهد المعتاد؛ تشكيك في الإصلاح وانتقاد للمصلح ومحاولة تصوير كل خطوة جادة على أنها مشكلة وكل مواجهة مع الخطأ على أنها تعقيد وكأن المطلوب أن تظل الأمور كما كانت حتى لا يغضب أصحاب المصالح.

لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك؛ من اعتاد أن يستفيد من الخطأ سيغضبه أن يصبح الصواب هو القاعدة ومن اعتاد أن يجد طريقًا مفتوحًا للمصلحة الخاصة سيزعجه أن يجد القانون واقفًا في منتصف الطريق.
ولعل الأصعب في أي عملية إصلاح ليس مواجهة الخطأ نفسه وإنما مواجهة من اعتادوا عليه ومن أصبح لهم مصلحة في بقائه ومن حاولوا إقناع الناس بأن تغيير الواقع أخطر من استمرار الخلل.

ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الإصلاح شاملًا لا يتوقف عند معالجة ظاهرة أو مشكلة بعينها وإنما يصل إلى جذور الخلل ويواجه كل من يصر على إبقاء الأمور كما هي سواء كان مستفيدًا من الخطأ أو متغاضيًا عنه أو ساكتًا عنه أو متخليًا عن مسؤوليته.

فليس كل من يقف في طريق الإصلاح صاحب منفعة مباشرة؛ هناك من أفسد وهناك من رأى الفساد وسكت وهناك من كان يستطيع أن يمنع الخطأ ولم يفعل وهناك من تخلّى عن مسؤوليته طواعية وهناك من قال: «أنا ماليش دعوة»، وهو يعلم أن صمته جزء من المشكلة وهناك من لم يكن يعرف لكنه لم يحاول أن يعرف ولم يسأل ولم يتحمل مسؤوليته.

هؤلاء جميعًا؛ متى ثبتت مسؤولية أي منهم لا ينبغي أن يصبحوا جزءًا من المشكلة التي يحاول الإصلاح علاجها.
لأن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس وجود الخطأ فقط وإنما أن يجد الخطأ من يحميه أو من يتغاضى عنه أو من يتعايش معه أو من يعتبره أمرًا عاديًا.
فمن غير المنطقي أن نطلب من جسد أن يتعافى بينما نترك المرض ينتشر فيه، ومن غير المنطقي أن نريد إصلاحًا حقيقيًا ونُبقي على من ثبت أنهم يقفون في طريقه.

فمنذ أكثر من اثني عشر عامًا شهدت الدولة المصرية تغييرات واسعة في كثير من المفاهيم والممارسات ومحاولات لتصحيح اتجاه البوصلة نحو مزيد من الانضباط وبناء المؤسسات وترسيخ فكرة أن المصلحة العامة يجب أن تكون فوق المصالح الخاصة.
فطبيعي أن يواجه أي تغيير مقاومة ممن ارتبطت مصالحهم بما كان قائمًا من قبل لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول مقاومة التغيير إلى محاولة لإفشال الإصلاح نفسه أو إلى تشويه كل من يحاول أن يضع الأمور في نصابها الصحيح.

فالطريق إلى الإصلاح ليس طريقًا مفروشًا بالورود لأن كل إصلاح حقيقي له ثمن وكل تغيير جاد سيجد من يقاومه وكل محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها ستزعج من اعتادوا أن تكون الأمور في غير نصابها.

وفي النهاية؛ لا يمكن أن تستقيم الأمور إذا أصبح الحق تابعًا للمصلحة أو أصبح القانون قابلًا للتجاوز حسب الأشخاص أو أصبحت المسؤولية شيئًا يهرب منه من يشاء.

أخيراً؛ لا ينبغي أن يتوقف الإصلاح لأن أهل المنافع غضبوا ولا أن يتراجع الحق لأن أصحاب المصالح رفعوا أصواتهم فالوطن لا يبنى على ما يرضي البعض، وإنما يُبنى عندما يصبح الإصلاح فوق المصلحة، والقانون فوق الأهواء، والصالح العام فوق كل منفعة خاصة فلا يستقيم الظل والعودُ أعوج..إستقيموا يرحمكم الله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة