لم تعد القوة الناعمة في عالم اليوم مجرد إمتلاك تاريخ عريق أو فن مؤثر أو حضارة تستقطب إهتمام الآخرين فالدول تمتلك رصيدًا ثقافيًا هائلًا لكن الفارق الحقيقي يبدأ حين تستطيع تحويل هذا الرصيد إلى تأثير مستمر في وعي الشعوب وفي العلاقات الدولية وفي الإقتصاد وفي صورة الدولة لدى العالم . ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التحرك المصري خلال السنوات الأخيرة بإعتباره محاولة للإنتقال من مرحلة إمتلاك عناصر القوة الناعمة إلى مرحلة أكثر تركيبًا تقوم على إدارة هذه العناصر وتطويرها وربطها ببعضها البعض .
فمصر لا تبدأ من الصفر حيث لديها حضارة تمتد لآلاف السنين ومؤسسات دينية وتعليمية عريقة وصناعة فنية وثقافية ذات إنتشار عربي وموقع جغرافي إستثنائي وتنوع سياحي وشبكة علاقات تاريخية مع العالم العربي والإفريقي والدولي . لكن القيمة الحقيقية لهذه العناصر لا تظهر بمجرد وجودها وإنما في القدرة على تقديمها للعالم بلغة العصر . ولفترة طويلة كان الحديث عن القوة الناعمة المصرية مرتبطًا أساسًا بالسينما والموسيقى والدراما والآثار والسياحة وهذه العناصر لا تزال مهمة لكنها لم تعد وحدها كافية لصناعة التأثير في عصر تتنافس فيه الدول على جذب العقول والاستثمارات والطلاب والسائحين والمبدعين وعلى بناء صورة ذهنية إيجابية لدى الجمهور الدولي . ولهذا أصبح من الممكن النظر إلى القوة الناعمة المصرية بإعتبارها منظومة تضم الثقافة والفنون والتراث والسياحة والتعليم والبحث العلمي والشباب والرياضة والإعلام والإبتكار والعلاقات الثقافية إضافة إلى قدرة الدولة على تقديم نموذج حضاري قادر على الحوار مع الآخرين .
وهنا تظهر أهمية التحولات التي شهدتها مؤسسات الدولة المصرية خلال الفترة الأخيرة حيث أصبح هناك إهتمام متزايد بتدويل التعليم وتطوير المؤسسات الثقافية وإعادة تقديم التراث وتوسيع الحضور المصري في المنظمات الدولية وربط الثقافة والسياحة بالتنمية . فقد شهد قطاع الشؤون الثقافية والبعثات بوزارة التعليم العالي توسعًا في الشراكات الأكاديمية الدولية وبرامج الدرجات المشتركة والتعاون البحثي إلى جانب دعم مبادرة "ادرس في مصر" وإستقطاب الطلاب الوافدين . وهذه ليست مجرد إجراءات تعليمية إذ يمكن النظر إليها بإعتبارها أحد مسارات القوة الناعمة لأن الطالب الدولي الذي يدرس في مصر لا يكتسب معرفة أكاديمية فقط وإنما يعيش تجربة إجتماعية وثقافية يمكن أن تستمر آثارها بعد عودته إلى بلده فيصبح بذلك أحد سفراء التجربة المصرية في وطنه بعدما يكوّن صداقات ويعيش الثقافة ويزور المدن والمواقع الأثرية ويتفاعل مع الحياة اليومية . وبذلك يمكن أن يصبح التعليم قناة طويلة المدى للقوة الناعمة لأنها تبني علاقات إنسانية تمتد سنوات وربما عقودًا .
وعندما تتحول الذاكرة إلى منصة عالمية يمثل المتحف المصري الكبير مثالًا مهمًا على إعادة صياغة التراث المصري بطريقة تتجاوز فكرة عرض الآثار . فالتراث في صورته التقليدية كان يُنظر إليه بإعتباره مادة للحفظ والدراسة والسياحة أما المتحف الحديث فيمكن أن يتحول إلى مساحة للحوار الحضاري والتعليم والتفاعل الثقافي والإبتكار . وهنا تكمن نقطة مهمة وهي أن القوة الناعمة لا تعمل فقط عندما يرى العالم آثار مصر وإنما عندما يفهم من خلالها مصر وثقافتها وتاريخها وإسهامها في الحضارة الإنسانية. وبالتالي فإن المتحف المصري الكبير يمكن قراءته ليس فقط كمشروع ثقافي أو سياحي وإنما كجزء من البنية الحديثة التي تستطيع مصر من خلالها تقديم سرديتها الحضارية للعالم.
كما أن السائح المعاصر لا يشتري تذكرة إلى موقع أثري فقط بل يبحث عن تجربة ولهذا فإن تطوير القوة الناعمة السياحية لا يرتبط فقط بعدد المواقع الأثرية وإنما بصورة الإنسان المصري وطريقة إستقبال الزائر وجودة الخدمات وسهولة الحركة والمحتوى الرقمي الذي يسبق الرحلة ويرافقها. ومن اللافت في هذا السياق إطلاق وزارة السياحة والآثار حملة "إحنا مصر" التي ركزت على إبراز القيم والسلوكيات الإيجابية في تعامل المصريين مع السائحين بإعتبار أن تجربة الزائر لا تتشكل من الآثار والفنادق وحدها وإنما من تفاعله مع المجتمع نفسه . وهذه الفكرة مهمة جدًا في فهم القوة الناعمة لأن المواطن نفسه يصبح جزءًا من الرسالة التي تصل إلى الخارج وهكذا تتحول السياحة من نشاط إقتصادي فقط إلى أداة للتواصل بين الشعوب .
وقد تغيرت قواعد القوة الناعمة مع تغير قواعد الاتصال ففي الماضي كان تأثير الدولة الثقافي يمر أساسًا عبر السينما والتليفزيون والصحف والكتب والإذاعة أما اليوم فأصبح الفرد قادرًا على إنتاج صورة عن بلده ونشرها خلال ثوانٍ. وهذا يجعل إدارة الصورة الذهنية لمصر عملية أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها فالسائح والطالب الوافد والرياضي والفنان والباحث والمواطن العادي وحتى المحتوى الذي ينتشر على منصات التواصل جميعهم أصبحوا جزءًا من الصورة التي يراها العالم . وهنا تظهر أهمية الإنتقال من مفهوم "الإعلام عن مصر" إلى مفهوم أوسع هو "التجربة المصرية الرقمية" فالمطلوب ليس فقط نشر الأخبار عن المشروعات والإنجازات وإنما إنتاج محتوى يستطيع أن يشرح للآخرين كيف تتغير مصر وما الذي تحافظ عليه من هويتها وما الذي تطوره وما الذي تقدمه في مجالات الثقافة والتعليم والسياحة والإبتكار .كما أن توظيف الذكاء الإصطناعي لفهم الجمهور العالمي بشكل أفضل عبر تحليل إتجاهات البحث ورقمنة التراث وتطوير محتوى متعدد اللغات في إطار ما يسميه "القوة الناعمة الذكية".
نحن في حاجة إلى إعادة ضبط مصنع لعقول تعمل علي الإستغلال الأمثل للذكاء الإصطناعي في الإستفادة الرقمية منه كي تكون لمصر قوة ناعمة حقيقة وفاعلة لتكون قادرة علي قيادة العالم بقوتها وحضارتها وتاريخها ومستقبلها لأن مصر بالفعل تستحق ذلك .